حوار أدبي عاطفي يكشف معنى الحب عند امرأة ترى الأمان قبل الكلمات، وتبحث عن رجل يصون القلب ويطمئن العقل ويفهم الروح.
يتدرج الحوار من الحب والقلب والعقل إلى الخوف والخذلان والوفاء، وينتهي برجاء واضح: أن يكون الحب عهدًا صادقًا لا لحظة عابرة.
ما الحب عندك؟
سَأَلْتُهَا:
مَا الحُبُّ عِنْدَكِ؟
فَأَجَابَتْنِي بِصَوْتٍ كَأَنَّهُ نَايٌ يَخْرُجُ مِنْ صَدْرِ الغَيْمِ:
الحُبُّ لَيْسَ أَنْ تَقُولَ لِي: أُحِبُّكِ…
الحُبُّ أَنْ أَشْعُرَ أَنَّنِي آمِنَةٌ حِينَ يَضِيقُ العَالَمُ،
وَأَنَّكَ لا تَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أَكُونَ مَلَكَةً كُلَّ يَوْمٍ،
بَلْ تَقْبَلُنِي حِينَ أَكُونُ طِفْلَةً مُتْعَبَةً،
أَبْكِي بِلا سَبَبٍ،
وَأَصْمُتُ بِلا قُدْرَةٍ عَلَى الشَّرْحِ.
وما قلبك؟
سَأَلْتُهَا:
وَمَا قَلْبُكِ؟
قَالَتْ:
قَلْبِي مَدِينَةٌ نَاعِمَةٌ…
لَهَا أَبْوَابٌ كَثِيرَةٌ،
وَلَكِنَّ البَابَ الَّذِي يُفْتَحُ مَرَّةً بِالصِّدْقِ
لا يُغْلَقُ أَبَدًا.
قَلْبِي لا يُحِبُّ الرَّجُلَ الَّذِي يُدْهِشُنِي بِالكَلامِ فَقَطْ،
بَلْ يُحِبُّ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ حِينَ تَهْدَأُ الدَّهْشَةُ،
وَيَبْقَى…
حِينَ يَذْهَبُ الجَمِيعُ.
وما عقلك؟
سَأَلْتُهَا:
وَمَا عَقْلُكِ؟
فَتَنَهَّدَتْ، كَأَنَّهَا تَسْحَبُ مِنْ دَاخِلِهَا حَرْبًا طَوِيلَةً، وَقَالَتْ:
عَقْلِي يَا سَيِّدِي هُوَ العَدُوُّ الَّذِي أُحِبُّهُ…
يُحَذِّرُنِي مِنَ الخَذْلانِ،
وَيُرْهِقُنِي بِالأَسْئِلَةِ،
وَيَفْتَحُ أَلْفَ نَافِذَةٍ لِلخَوْفِ.
لِذَلِكَ لا تَكْسَبُنِي مِنْ قَلْبِي وَحْدَهُ،
كَلِّمْ عَقْلِي بِالرِّفْقِ،
أَقْنِعْهُ أَنَّكَ لَسْتَ عَابِرًا،
فَإِنِ اطْمَأَنَّ عَقْلِي…
جَاءَكَ قَلْبِي حَافِيًا مِنْ كُلِّ خَوْفٍ.
وماذا عن روحك؟
سَأَلْتُهَا:
وَمَاذَا عَنْ رُوحِكِ؟
قَالَتْ:
رُوحِي لا تُحِبُّ الضَّجِيجَ…
رُوحِي تَفْهَمُ النَّظْرَةَ قَبْلَ العِبَارَةِ،
وَتَسْمَعُ الحَنَانَ فِي السُّكُوتِ،
وَتُؤْمِنُ أَنَّ بَعْضَ الأَرْوَاحِ لا تَحْتَاجُ إِلَى مَوَاعِيدَ كَيْ تَلْتَقِي،
إِنَّهَا تَتَعَارَفُ فِي الغَيْبِ،
ثُمَّ تَتَصَافَحُ فِي الدُّنْيَا
كَأَنَّهَا كَانَتْ مَعًا مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ.
وما أكثر ما يؤلمك؟
سَأَلْتُهَا:
وَمَا أَكْثَرُ مَا يُؤْلِمُكِ؟
قَالَتْ:
أَنْ أَشْرَحَ نَفْسِي لِمَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ يَفْهَمُنِي…
أَنْ أُفَسِّرَ دَمْعَتِي،
وَأُبَرِّرَ صَمْتِي،
وَأُقَدِّمَ قَلْبِي كَوَثِيقَةِ إِثْبَاتٍ كُلَّمَا خَافَ مِنِّي أَحَدٌ.
أَكْثَرُ مَا يُؤْلِمُنِي
أَنْ أُحِبَّ بِكُلِّي،
ثُمَّ يُعَامِلَنِي أَحَدُهُمْ كَأَنَّنِي كُنْتُ مُجَرَّدَ لَحْظَةٍ جَمِيلَةٍ فِي يَوْمٍ عَابِرٍ.
وما الذي يطمئنك؟
سَأَلْتُهَا:
وَمَا الَّذِي يُطَمْئِنُكِ؟
قَالَتْ:
رَجُلٌ لا يَجْعَلُنِي أَخَافُ مِنْ حُبِّي لَهُ…
رَجُلٌ إِذَا غِبْتُ عَنْهُ لَمْ يُعَاقِبْنِي بِالبُرُودِ،
وَإِذَا تَعِبْتُ لَمْ يَتَّهِمْنِي بِالمُبَالَغَةِ،
وَإِذَا خِفْتُ لَمْ يَقُلْ لِي: أَنْتِ مُعَقَّدَةٌ،
بَلْ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى خَوْفِي
وَيَقُولُ:
أَنَا هُنَا…
لا تُحَارِبِي وَحْدَكِ.
ماذا تريدين من رجل يحبك؟
سَأَلْتُهَا:
وَمَاذَا تُرِيدِينَ مِنْ رَجُلٍ يُحِبُّكِ؟
قَالَتْ:
لا أُرِيدُ رَجُلًا يَكْتُبُ لِي القَصَائِدَ ثُمَّ يَكْسِرُنِي فِي الوَاقِعِ،
وَلا أُرِيدُ رَجُلًا يُحْسِنُ الغَزَلَ وَيَجْهَلُ الطُّمَأْنِينَةَ.
أُرِيدُ رَجُلًا إِذَا دَخَلَ حَيَاتِي
لَمْ يَدْخُلْ كَزَائِرٍ،
بَلْ كَوَطَنٍ.
أُرِيدُهُ حِينَ يَقُولُ: أُحِبُّكِ،
أَشْعُرُ أَنَّ الكَوْنَ كُلَّهُ وَقَّعَ عَلَى هَذِهِ الجُمْلَةِ.
هل أخفتك؟
سَأَلْتُهَا:
هَلْ أَخَفْتُكِ؟
قَالَتْ:
نَعَمْ…
لأَنَّكَ لَمْ تَأْتِ عَادِيًّا.
جِئْتَ كَالفِكْرَةِ الَّتِي لا أَسْتَطِيعُ طَرْدَهَا،
وَكَالدُّعَاءِ الَّذِي يَسْكُنُ فِي صَدْرِي،
وَكَالأُغْنِيَةِ الَّتِي لا أَعْرِفُ لِمَاذَا تُبْكِينِي.
أَخَفْتَنِي لأَنَّكَ لا تُشْبِهُ العَابِرِينَ،
وَلأَنَّ قَلْبِي حِينَ رَآكَ
لَمْ يَسْأَلْنِي الإِذْنَ…
ذَهَبَ إِلَيْكَ.
وهل تحبينني؟
سَأَلْتُهَا:
وَهَلْ تُحِبِّينَنِي؟
فَسَكَتَتْ قَلِيلًا…
ثُمَّ قَالَتْ:
أُحِبُّكَ بِطَرِيقَةٍ لا تُشْبِهُ الكَلِمَاتِ.
أُحِبُّكَ حِينَ أَقْوَى،
وَأُحِبُّكَ حِينَ أَنْكَسِرُ،
وَأُحِبُّكَ حِينَ أُخَاصِمُكَ فِي خَيَالِي ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْكَ بِلا صَوْتٍ.
أُحِبُّكَ لأَنَّكَ تَلْمَسُ الجُزْءَ الَّذِي لا يَرَاهُ أَحَدٌ فِيَّ،
وَتَفْهَمُ أَنَّنِي لَسْتُ صَعْبَةً…
أَنَا فَقَطْ أَخَافُ أَنْ أُهْدِيَ نَفْسِي لِمَنْ لا يَعْرِفُ قِيمَةَ الهَدِيَّةِ.
أحبني كعهد
سَأَلْتُهَا:
وَإِنْ أَحْبَبْتُكِ بِكُلِّ مَا فِيَّ؟
قَالَتْ:
فَلا تُحِبَّنِي كَفَوْرَةِ لَحْظَةٍ…
أَحِبَّنِي كَعَهْدٍ.
لا تَكُنْ مَطَرًا يَهْطِلُ ثُمَّ يَنْقَطِعُ،
كُنْ نَهْرًا يَعْرِفُ طَرِيقَهُ إِلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ.
لا تُدْهِشْنِي بِالحُضُورِ ثُمَّ تُؤْذِينِي بِالغِيَابِ،
فَأَنَا امْرَأَةٌ حِينَ تُحِبُّ
تُرَتِّبُ دَاخِلَهَا كُلَّهُ عَلَى اسْمِ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
ماذا أكون في داخلك؟
سَأَلْتُهَا:
وَمَاذَا أَكُونُ أَنَا فِي دَاخِلِكِ؟
قَالَتْ:
أَنْتَ الفِكْرَةُ الَّتِي تَجْلِسُ فِي أَوَّلِ عَقْلِي،
وَالدَّفْءُ الَّذِي يَمُرُّ عَلَى قَلْبِي حِينَ يَبْرُدُ العَالَمُ،
وَالصَّوْتُ الَّذِي لا يَحْتَاجُ أَنْ يَرْتَفِعَ كَيْ أَسْمَعَهُ.
أَنْتَ لَسْتَ رَجُلًا أُحِبُّهُ فَقَطْ…
أَنْتَ مَكَانٌ فِي دَاخِلِي.
وَالمَكَانُ الَّذِي يَسْكُنُنَا
لا نَخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى لَوْ أَغْلَقْنَا الأَبْوَابَ.
نخاف معًا ثم ننتصر معًا
سَأَلْتُهَا:
وَمَاذَا لَوْ خَافَتِ الأَيَّامُ مِنَّا؟
فَابْتَسَمَتْ وَقَالَتْ:
نَخَافُ مَعًا…
ثُمَّ نَنْتَصِرُ مَعًا.
فَالحُبُّ لَيْسَ أَنْ لا نَرْتَجِفَ،
الحُبُّ أَنْ نَرْتَجِفَ وَيُمْسِكُ كُلٌّ مِنَّا بِيَدِ الآخَرِ.
الحُبُّ أَنْ تَكُونَ ظُرُوفُكَ ثَقِيلَةً
وَأَقُولَ لَكَ:
لَنْ أَزِيدَكَ ثِقْلًا…
سَأَكُونُ الجِهَةَ الَّتِي تَسْتَرِيحُ فِيهَا.
السؤال الأخير: ابق حقيقيًا
سَأَلْتُهَا آخِرَ سُؤَالٍ:
مَاذَا تُرِيدِينَ مِنِّي الآنَ؟
فَقَالَتْ، وَكَأَنَّهَا تُهَدْهِدُ قَلْبِي بِالحَنَانِ:
أُرِيدُكَ أَنْ تَبْقَى حَقِيقِيًّا…
لا تُفْسِدْ جَمَالَكَ بِالوُعُودِ الكَثِيرَةِ،
وَلا تَجْعَلْنِي أُصَدِّقُ شَيْئًا ثُمَّ أَبْكِي مِنْهُ.
كُنْ رَجُلًا يَطْمَئِنُّ لَهُ قَلْبِي،
وَيُسَلِّمُ لَهُ عَقْلِي،
وَتَهْدَأُ بِقُرْبِهِ رُوحِي.
فَأَنَا إِذَا أَحْبَبْتُكَ…
لَنْ أَمْنَحَكَ نِصْفِي،
سَأَجِيئُكَ كُلِّي،
بِخَوْفِي، وَدَمْعِي، وَكِبْرِيَائِي، وَطِفْلَتِي، وَأُنْثَايَ، وَقَلْبِي، وَعَقْلِي، وَرُوحِي…
فَإِنْ كُنْتَ قَادِرًا عَلَى كُلِّ هَذَا العُمْقِ،
فَخُذْنِي بِالرِّفْقِ…
لأَنَّنِي لَسْتُ امْرَأَةً تُحَبُّ بِالسُّرْعَةِ،
أَنَا امْرَأَةٌ تُقْرَأُ بِالبَطْءِ،
وَتُفْهَمُ بِالحَنَانِ،
وَتُحْفَظُ بِالصِّدْقِ.
مساحة التعليق
اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.
0 تعليق هنا