حكاية امرأة تحب رجلها باهتمام العاشقة، وخوف الرفيقة، وغيرة القلب الذي لا يرى في العالم أحدًا يشبهه.
المعجزة التي تضع قلبها كله بين يديك
ليست المعجزة أن تحبك امرأة…
المعجزة أن تضع قلبها كله بين يديك،
ثم تظل ترتجف خوفا عليه منك،
وخوفا عليك من الحياة،
وخوفا من يوم لا تكون فيه لها.
كانت تحبه كما لو أن الرجال قبله
كانوا مجرد مسودات ناقصة،
وكأنه النسخة الوحيدة
التي وقّع القدر أسفلها اسمه،
ثم قال لقلبها:
هذا هو منتهاها… وهذا مبتداها.
لم تره رجلا عابرا
يمكن أن تستبدله حين يتغير الطريق،
بل رأته طريقها،
والمكان الذي تنتهي إليه خطاها،
والنافذة التي تطل منها على الحياة،
كلما أغلقت الدنيا أبوابها.
أنثى تقرأ صمته قبل كلامه
كانت تعرفه من صوته،
فإذا قال: أنا بخير،
سمعت في آخر الحروف وجعا يخفيه،
وإذا ضحك طويلا،
عرفت أن في صدره شيئا يبكيه،
وإذا اختصر حديثه،
جلست تجمع صمته كلمة كلمة،
كأنها تترجم لغة لا يفهمها سواها.
كانت تهتم به
كما تهتم الأم بطفلها الأول،
والعاشقة برسالتها الأولى،
والخائفة بآخر دعائها.
تسأله إن أكل،
إن نام،
إن أثقله العمل،
إن أوجعه شيء ولم يخبرها.
تتظاهر بأنها تسأله سؤالا عابرا،
بينما كان قلبها واقفا عند بابه،
ينتظر أن يسمع:
أنا بخير…
لكي يعود النبض إلى مجراه.
ملهمته في الهزيمة والانتصار
كانت ملهمته دون أن تتعمد الإلهام،
تزرع في أيامه رغبة النجاة،
وتعيد إليه صورته الجميلة
حين تشوهها الهزائم والمرايا.
كانت تقول له:
أنت تستطيع،
فتنتصب أحلامه من انكسارها،
ويصدق نفسه
لأن امرأة أحبها
كانت أول من صدق خطاه.
لم تكن تحبه في انتصاراته فقط،
بل أحبته حين خسر،
وحين عاد خائبا،
وحين ضاقت به نفسه،
وحين لم يجد الكلمات المناسبة
ليشرح ما جرى في أعماقه.
كانت تجلس بقرب حزنه
دون أن تزعجه بالأسئلة،
وتترك كفها قريبا من كفه،
كأنها تقول له بصمتها:
أنا هنا…
حتى تنتهي عاصفتك،
وحتى تجد شاطئك،
وحتى تعود إليك روحك التي أتعبها مداها.
غيرتها: شمعة تخاف الريح
أما غيرتها،
فلم تكن شكا في رجولته،
ولا رغبة في سجنه داخل هواها.
كانت تغار
لأنها ترى فيه ما لا يراه سواها،
وتخشى أن تكتشف امرأة أخرى
ذلك الضوء الذي اكتشفته عيناها.
تغار من الطرق التي تطيل غيابه،
ومن الهاتف حين يسرق انتباهه،
ومن العمل حين يأخذ ما تبقى من يومه،
ومن الذكريات التي عاشها قبلها،
لأن قلب العاشقة يريد،
في لحظة ضعف بريئة،
أن يكون ماضي حبيبها وحاضره،
وصباحه ومساه.
كانت تغار،
ثم تخجل من غيرتها،
فتصمت قليلا،
وتشيح بوجهها،
وتقول: لا شيء.
لكنه لو اقترب من عينيها
لرأى ألف سؤال يلمع في دمعها:
هل ما زلت أجمل النساء في قلبك؟
هل ما زال صوتي يختصر ضجيج العالم؟
هل ما زلت حين تتعب
تبحث عن حضني دون سواه؟
لم تكن غيرتها نارا تحرقه،
بل شمعة تخاف الريح،
وترتجف كلما شعرت
أن نافذة ما قد تسرق ضياها.
خوفها عليه من الحياة ومن حزنه
وكانت تخاف عليه
بطريقة لا يعرفها الرجال.
تخاف من حزنه الذي لا يقوله،
ومن الطريق حين يقود وحده،
ومن ليلة ينام فيها مكسورا،
ومن شخص يستغل طيبته،
ومن قرار يتخذه في ساعة غضب،
ومن قلبه حين يحمل فوق احتماله.
توصيه كثيرا،
ثم تعتذر عن كثرة الوصايا،
وتقول:
سامحني…
أنا لا أتدخل في حياتك،
أنا فقط أحب حياتي التي تمشي أمامي على هيئة رجل.
رقيقة في الحب وجيش في الشدائد
كانت رقيقة،
لكن رقتها لم تكن ضعفا.
كانت تستطيع أن تواجه العالم لأجله،
وأن تقف أمام الأبواب المغلقة،
وأن تحول خوفها إلى قوة
حين يحتاج إليها.
فهي التي ترتبك من ارتفاع صوته،
قد ترفع صوتها في وجه الدنيا كلها
إن حاولت كسره.
وهي التي تبكي من كلمة جافة،
قد تبتلع دموعها كاملة
كيلا يراها منهارا.
كانت أنثى حين يحبها،
وجيشا حين تحاصره الحياة،
ووطنًا حين تتعبه المنافي،
ووسادة حين يثقل رأسه،
ودعاء حين تعجز يداها.
الأشياء الصغيرة الكبرى في قلب النساء
لم تطلب منه قصرا،
ولا مدينة تحمل اسمها،
ولا سماء يقطف منها النجوم.
كانت تطلب أشياء صغيرة جدا،
لكن الرجال لا يدركون
أن الأشياء الصغيرة
هي الأشياء الكبرى في قلب النساء.
رسالة في منتصف النهار،
سؤال صادق عن حالها،
موعد لا ينساه،
تفصيل يتذكره،
يد تمسك يدها أمام خوفها،
وكلمة تطمئنها
أن مكانها في قلبه
ليس مقعدا مؤقتا.
كانت تريد أن تشعر
أنها اختياره كل يوم،
لا عادته القديمة.
أن ينظر إليها
كما نظر إليها في البداية،
وأن يحدثها بشغف،
لا بواجب.
أن يجد في عينيها امرأة يحبها،
لا امرأة ضمن أنها لن ترحل.
حب تمنحه دون جداول للحساب
كانت تمنحه الحب
دون جداول للحساب،
وتعطيه من وقتها،
ومن نومها،
ومن دعائها،
ومن هدوئها،
ومن جنونها الجميل.
تسامحه قبل أن يعتذر،
ثم تغضب من نفسها لأنها سامحته،
ثم تشتاق إليه،
ثم تبحث عن حجة صغيرة لتحدثه،
ثم تدعي أنها لم تكن تنتظر صوته،
بينما كانت الدقائق في غيابه
تسير فوق قلبها كأنها سنوات.
حين يمرض وحين ينجح
وحين يمرض،
تمرض مخيلتها أكثر منه.
تتخيل الاحتمالات كلها،
وتقرأ ملامحه،
وتراقب نبرة صوته،
وتخاصم المسافة لأنها لا تستطيع
أن تضع يدها فوق جبينه.
وحين ينجح،
تفرح كأن النجاح خرج من قلبها،
وتخبر الجميع عنه بفخر خفي،
ثم تقف بعيدا
كي يظن أن المجد صنعه وحده،
مع أنها كانت في ليالي سقوطه
السلم الذي أعاده إلى سماه.
تحبه بعيوبه ولا تقدس أخطاءه
كانت تحبه بعيوبه،
لكنها لم تكن تقدس أخطاءه.
تعاتبه لأنها تريد له أن يكون أجمل،
وتغضب منه لأنها تعرف قدره،
وترفض أن تراه أقل
من الصورة التي رسمتها له في دعاها.
كانت تقول الحقيقة
ولو أغضبته،
ثم تبقى قربه
حتى يهدأ غضبه ويفهم نجواها.
شراكة تمشي إلى جواره لا خلفه
لم تكن تريد امتلاكه،
بل أرادت أن تكون شريكته.
لا تمشي خلفه كظل،
ولا أمامه كخصم،
بل إلى جواره،
خطوة بخطوة،
وحلما بحلم،
وعمرا بعمر،
حتى إذا تعثرت الحياة بأحدهما،
أسنده الآخر
وأكملا معا منتهاها.
حين تمنح الأنثى عمرًا في هيئة قلب
وحين تحب الأنثى هكذا،
فإنها لا تمنح رجلا قلبا فقط،
إنها تمنحه بيتا داخليا،
ومرآة يرى فيها أجمل ما فيه،
وصوتا يوقظه من هزيمته،
وحضنا لا يسأله لماذا تأخر،
بل يسأله فقط:
هل أتعبك الطريق؟
فإن وجد الرجل امرأة
تقرأ صمته،
وتخاف عليه من حزنه،
وتغار عليه دون أن تهين حريته،
وتلهمه دون أن تلغي نفسها،
وتحبه في ضعفه كما تحبه في قوته،
وتختاره كل يوم
كأنها تراه للمرة الأولى…
ثم لم يحفظ قلبها،
ولم يطمئن خوفها،
ولم يضع حبها في المكان الذي يليق به،
فأي حب سيبحث عنه بعد ذلك؟
وأي امرأة ستمنحه عمرا كاملا
في هيئة قلب؟
وأي عذر يمكن أن ينقذه
من خسارة امرأة
كان كل ذنبها
أنها أحبته أكثر مما ينبغي؟
فمثل هذا القلب،
الذي جعله وطنا ودعاء ونجاة…
أمثل هذا الحب يترك؟
مساحة التعليق
اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.
0 تعليق هنا