نص أدبي طويل عن عقل المرأة حين يحرس قلبها، وعن الأسئلة التي يصنعها الخوف، والأمان الذي يبنيه الصبر والثبات والإنصات.
لا يحاول الرجل في هذه الحكاية اقتحام قلبها، بل يتعلم أن الثقة لا تؤخذ بالخداع أو الضغط، وإنما تُمنح لمن يعرف قيمة المفتاح.
لا تدخل الأنثى من قلبها مباشرة
فقلبها طفل يتمنى
وروحها غيمة تحلم
وجسدها وردة تخجل
أما عقلها فهو المملكة كلها
إن فهمته فتحت لك أبوابها
وإن أهملته أغلقت عليك كل الطرق.
العقل حارس القلب
كَانَ مُحَمَّدٌ يَعْرِفُ أَنَّ الرِّجَالَ كَثِيرًا مَا يَظُنُّونَ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الأُنْثَى يَمُرُّ مِنْ قَلْبِهَا.
يُكْثِرُونَ مِنَ الكَلَامِ الجَمِيل،
وَيُرْسِلُونَ الوُرُود،
وَيُرَتِّبُونَ الاعْتِرَافَات،
وَيَظُنُّونَ أَنَّ القَلْبَ إِذَا لَانَ… انْتَهَتِ الحِكَايَة.
لَكِنَّ مُحَمَّدًا كَانَ يَرَى مَا هُوَ أَبْعَد.
كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ قَلْبَ الأُنْثَى قَدْ يُحِبُّ،
وَلَكِنَّ عَقْلَهَا يَقِفُ عَلَى البَابِ كَحَارِسٍ قَدِيم،
يَقُولُ لِلقَلْبِ:
تَمَهَّلْ…
لَيْسَ كُلُّ مَنْ أَضْحَكَكَ يُؤْتَمَن،
وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ: أُحِبُّكِ، يَعْرِفُ كَيْفَ يَبْقَى.
كَانَ مُحَمَّدٌ يَعْلَمُ أَنَّ رُوحَهَا قَدْ تَحْلُمُ،
وَلَكِنَّ عَقْلَهَا يَسْأَل:
هَلْ هَذَا الحُلْمُ نَجَاةٌ أَمْ فِخّ؟
هَلْ هَذَا الشَّخْصُ مَأْمَنٌ أَمْ دَرْسٌ آخَر؟
هَلْ أَقْتَرِبُ… أَمْ أَبْقَى عَلَى مَسَافَة؟
وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ جَسَدَهَا قَدْ يَخْجَلُ،
وَأَنَّ أُنُوثَتَهَا قَدْ تُزْهِرُ،
وَلَكِنَّ عَقْلَهَا لا يَسْمَحُ لِشَيْءٍ أَنْ يَتَفَتَّحَ قَبْلَ أَنْ يَتَأَكَّدَ:
هَلْ هُنَاكَ أَمَان؟
هَلْ هُنَاكَ صِدْق؟
هَلْ هُنَاكَ رَجُلٌ لا يَسْتَعْمِلُ الضَّعْفَ ضِدَّهَا؟
لِذَلِكَ لَمْ يَقِفْ مُحَمَّدٌ عَلَى بَابِ القَلْبِ فَقَط.
وَقَفَ أَمَامَ العَقْل.
هُنَاكَ حَيْثُ تَسْكُنُ الأَسْئِلَة،
وَتُبْنَى الجُدْرَان،
وَتَتَرَاكَمُ السِّينَارْيُوهَات،
وَتَتَصَارَعُ الأَمَانِي مَعَ الخَوْف.
وَقَالَ بِهُدُوءٍ:
أَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَغْلِبَكِ…
أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَكِ.
ظَنَّ مُحَمَّدٌ أَوَّلَ الأَمْرِ أَنَّ عَقْلَ الأُنْثَى عَدُوُّهَا اللَّدُود.
يَمْنَعُ قَلْبَهَا حِينَ يَرْغَب،
وَيُوقِفُ رُوحَهَا حِينَ تَحْلُم،
وَيُتْعِبُهَا بِالفِكْرِ حِينَ تُرِيدُ أَنْ تَهْدَأ.
لَكِنَّهُ لَمَّا اقْتَرَبَ مِنْهُ، اكْتَشَفَ أَنَّهُ لَيْسَ عَدُوًّا.
كَانَ حَارِسًا.
حَارِسًا مُتْعَبًا، سَهِرَ كَثِيرًا، وَخَافَ كَثِيرًا، وَرَأَى قُلُوبًا تُكْسَرُ ثُمَّ تُطْلَبُ مِنْهَا الطُّمَأْنِينَة.
العقل ليس عدوًا… بل حارس متعب
قَالَ العَقْلُ لِمُحَمَّد:
أَنَا لَا أَمْنَعُهَا مِنَ الحُبِّ لأَنِّي أَكْرَهُ الحُبّ،
أَنَا أَمْنَعُهَا مِنَ التَّعَلُّقِ الخَاطِئ.
لَا أَرْفُضُ الفَرَحَ،
لَكِنِّي أَخَافُ أَنْ يَأْتِيَ الفَرَحُ فِي شَكْلِ وَهْم.
لَا أُحَارِبُ الأُنُوثَة،
لَكِنِّي أَخَافُ أَنْ تُهْدَى لِمَنْ لا يَصُونُهَا.
قَالَ مُحَمَّد:
إِذًا أَنْتَ لَسْتَ عَدُوَّهَا؟
قَالَ العَقْلُ:
أَنَا كُلُّ مَا بَقِيَ مِنْهَا بَعْدَ الخَيْبَات.
أَنَا البَابُ الَّذِي أَغْلَقَتْهُ حِينَ تَعِبَتْ مِنَ الأَبْوَابِ المَفْتُوحَة.
أَنَا الحَذَرُ الَّذِي يَبْدُو قَسْوَة،
وَالخَوْفُ الَّذِي يَبْدُو بُرُودًا،
وَالتَّرَدُّدُ الَّذِي يَبْدُو غُرُورًا.
فَابْتَسَمَ مُحَمَّد،
وَعَرَفَ أَنَّ أَجْمَلَ مَا فِي الأُنْثَى لا يُؤْخَذُ بِالاقْتِحَام.
يُؤْخَذُ بِالفَهْم.
بِالصَّبْر.
بِالحِوَار.
بِرَجُلٍ يَعْرِفُ أَنَّ العَقْلَ إِذَا اطْمَأَنَّ… سَمَحَ لِلقَلْبِ أَنْ يُحِبَّ دُونَ رِجْفَة.
أسئلة لا تنام بسهولة
فِي دَاخِلِ كُلِّ أُنْثَى عَقْلٌ لا يَنَامُ بِسُهُولَة.
قَدْ تَضَعُ رَأْسَهَا عَلَى الوِسَادَة،
وَتُغْمِضُ عَيْنَيْهَا،
لَكِنَّ عَقْلَهَا يَبْقَى جَالِسًا فِي آخِرِ الغُرْفَة،
يُقَلِّبُ الدَّفَاتِرَ القَدِيمَة،
وَيَفْتَحُ صُنْدُوقَ الاحْتِمَالات،
وَيَسْأَلُ أَسْئِلَةً لَا رَحْمَةَ فِيهَا.
مَاذَا لَوْ تَغَيَّر؟
مَاذَا لَوْ كَانَ كُلُّ هَذَا لُطْفًا مُؤَقَّتًا؟
مَاذَا لَوْ أَحْبَبْتُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقّ؟
مَاذَا لَوْ كُنْتُ أَنَا وَحْدِي الَّتِي تَفْهَمُ الأَمْرَ بِهَذَا العُمْق؟
مَاذَا لَوْ أَصْبَحَ مَنْ أَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ سَبَبَ خَوْفِي؟
كَانَ مُحَمَّدٌ لا يَسْخَرُ مِنْ هَذِهِ الأَسْئِلَة.
لا يَقُولُ لَهَا:
أَنْتِ تُبَالِغِينَ.
لا يَقُولُ:
لَا تُفَكِّرِي.
لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ قَوْلَ “لَا تُفَكِّرِي” لِعَقْلٍ مُتْعَب،
كَقَوْلِ “لَا تَتَأَلَّمْ” لِجُرْحٍ مَفْتُوح.
كَانَ يَقْتَرِبُ مِنْهَا بِهُدُوء،
وَكَأَنَّهُ يُخَاطِبُ العَقْلَ قَبْلَ الأُنْثَى:
فَكِّرِي… لَكِنْ لا تَجْعَلِي الخَوْفَ يَكْتُبُ النِّهَايَةَ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ الحِكَايَة.
خَافِي… لَكِنْ لا تَجْعَلِي الخَوْفَ يَسْرِقُ مِنْكِ كُلَّ مَا قَدْ يَكُونُ جَمِيلًا.
اسْأَلِي… فَالأَسْئِلَةُ حَقٌّ لِقَلْبٍ يُرِيدُ أَنْ يَبْقَى سَالِمًا.
وَهُنَا كَانَ عَقْلُهَا يَهْدَأُ قَلِيلًا.
لَا لِأَنَّهُ وَجَدَ كُلَّ الإِجَابَات،
بَلْ لِأَنَّهُ وَجَدَ رَجُلًا لا يَهْرُبُ مِنْ أَسْئِلَتِه.
بين قلب طفل وعقل عاش طويلًا
القَلْبُ كَانَ طِفْلًا.
إِذَا ضَحِكَ لَهُ أَحَدٌ صَدَّق.
وَإِذَا اهْتَمَّ بِهِ أَحَدٌ مَالَ.
وَإِذَا سَمِعَ كَلِمَةً حَنُونَةً فَتَحَ النَّافِذَةَ، وَقَالَ:
هَذَا هُوَ.
أَمَّا العَقْلُ، فَكَانَ شَيْخًا عَاشَ طَوِيلًا.
رَأَى أَحَدَاثًا لا يَعْرِفُهَا القَلْب.
حَفِظَ وُجُوهًا جَاءَتْ بِالوَعْدِ، وَرَحَلَتْ بِالجُرْح.
لِذَلِكَ كَانَ إِذَا قَالَ القَلْبُ: أُرِيدُهُ،
قَالَ العَقْلُ: انْتَظِرِي.
كَانَ مُحَمَّدٌ يُحَاوِرُ هَذَا الانْقِسَامَ فِيهَا.
لَا يُرِيدُ أَنْ يَخْطَفَهَا مِنْ عَقْلِهَا.
وَلَا يُرِيدُ أَنْ يُغْرِقَهَا فِي قَلْبِهَا.
كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهَا تَفْهَمُ أَنَّ الحُبَّ النَّاضِجَ لا يَهْزِمُ العَقْل،
بَلْ يُصَالِحُهُ.
قَالَ لَهَا:
أَنَا لا أُرِيدُ قَلْبَكِ وَحْدَهُ،
فَالقَلْبُ قَدْ يُحِبُّنِي فِي لَحْظَةٍ، ثُمَّ يُخِيفُهُ الغَد.
أُرِيدُ عَقْلَكِ أَنْ يَرَانِي بِوُضُوح،
أَنْ يَخْتَبِرَ ثَبَاتِي،
أَنْ يَسْأَلَنِي،
أَنْ يُرَاقِبَنِي،
أَنْ يَعْرِفَ أَنَّنِي لا أُرِيدُكِ نَزْوَةً،
وَلَا أُرِيدُكِ انْدِهَاشًا مُؤَقَّتًا،
أُرِيدُكِ طُمَأْنِينَةً لا تَنْدَم.
فَقَالَ عَقْلُهَا:
إِنْ كُنْتَ صَادِقًا… فَاصْبِرْ.
فَقَالَ مُحَمَّد:
سَأَصْبِرُ.
فَالأُنْثَى الَّتِي يُحْرَسُ قَلْبُهَا بِعَقْلٍ كَهَذَا، لا تُسْتَعْجَل.
تُسْتَحَقّ.
لذة فهم العقل قبل الانبهار بالمظهر
اكتشفَ مُحَمَّدٌ أنَّ لِلْعَقْلِ لَذَّةً لا يَعْرِفُهَا مَنْ يَكْتَفِي بِالمَظَاهِر.
لَذَّةُ العَقْلِ أَنْ تُحَاوِرَ أُنْثَى فَتَكْتَشِفَ أَنَّ خَلْفَ جُمَلِهَا عَالَمًا.
وَخَلْفَ سُكُوتِهَا مَكْتَبَةً.
وَخَلْفَ ضِحْكَتِهَا تَحْلِيلًا طَوِيلًا لِكُلِّ مَا حَدَثَ وَمَا لَمْ يَحْدُث.
وَخَلْفَ تَرَدُّدِهَا ذَاكِرَةً تَقُولُ لَهَا:
لا تَقْتَرِبِي سَرِيعًا.
لَذَّةُ العَقْلِ أَنْ تَسْأَلَهَا:
مَا الَّذِي أَخَافَكِ؟
فَلا تَكْتَفِي بِقَوْلِ: لا شَيْء.
بَلْ تَفْتَحُ لَكَ غُرْفَةً صَغِيرَةً فِي دَاخِلِهَا،
وَتَقُولُ:
هُنَا أَضَعُ مَخَاوِفِي.
هُنَا أُخَبِّئُ السِّينَارْيُوهَاتِ الَّتِي أَتْعَبَتْنِي.
هُنَا أَتَصَوَّرُ الرَّحِيلَ قَبْلَ أَنْ يَحْدُث.
هُنَا أُفَسِّرُ الصَّمْتَ عَلَى أَنَّهُ تَغَيُّر.
وَهُنَا أُقَاوِمُ قَلْبِي كَيْ لا يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ.
وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَسْمَعُ.
لا يَقْطَعُ.
لا يُصْلِحُ كُلَّ شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ كَأَنَّهُ يُغْلِقُ مِلَفًّا.
كَانَ يَتَذَوَّقُ عَقْلَهَا كَمَنْ يَقْرَأُ رِوَايَةً كَبِيرَةً كُتِبَتْ بِحِبْرِ الحَذَر.
وَكُلَّمَا فَهِمَ عَقْلَهَا،
شَعَرَ أَنَّهُ اقْتَرَبَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَقْتَرِبُ رَجُلٌ مِنْ يَدٍ، أَوْ وَجْهٍ، أَوْ جَمَال.
فَالجَمَالُ يُدْهِشُ العَيْن.
وَالقَلْبُ يُدْهِشُ الشُّعُور.
أَمَّا العَقْلُ…
فَإِذَا فُتِحَ لَكَ، فَقَدْ دَخَلْتَ المَمْلَكَة.
عقل الأنثى مملكة كاملة
عَقْلُ الأُنْثَى لَيْسَ غُرْفَةً صَغِيرَة.
إِنَّهُ مَمْلَكَة.
فِيهَا بَوَّابَاتٌ مِنَ الحَذَر.
وَشُرَفَاتٌ مِنَ الأَمَل.
وَمَمَرَّاتٌ طَوِيلَةٌ مِنَ التَّحْلِيل.
وَحَدَائِقُ مِنَ الخَيَال.
وَسُجُونٌ صَغِيرَةٌ تَحْبِسُ فِيهَا ذِكْرَيَاتٍ لا تُرِيدُ أَنْ تَعُود.
وَغُرَفٌ مُضِيئَةٌ تَضَعُ فِيهَا أَحْلَامَهَا الَّتِي لا تُخْبِرُ بِهَا أَحَدًا.
عِنْدَ البَوَّابَةِ الأُولَى، وَجَدَ مُحَمَّدٌ خَوْفَهَا.
قَالَ لَهُ الخَوْف:
لِمَاذَا جِئْتَ؟
قَالَ:
لِأَفْهَمَ، لا لِأُرْبِكَ.
وَعِنْدَ البَوَّابَةِ الثَّانِيَة، وَجَدَ ظُنُونَهَا.
قَالَتْ لَهُ:
كُلُّ اللُّطْفِ قَدْ يَتَغَيَّر.
فَقَالَ:
لِذَلِكَ لا أَطْلُبُ مِنْكِ أَنْ تُصَدِّقِينِي مِنْ أَوَّلِ يَوْم.
رَاقِبِي ثَبَاتِي.
وَعِنْدَ البَوَّابَةِ الثَّالِثَة، وَجَدَ ذَاكِرَتَهَا.
كَانَتْ جَالِسَةً عَلَى كُرْسِيٍّ عَتِيق، تُقَلِّبُ صُوَرًا قَدِيمَة.
قَالَتْ:
كُلُّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُخْتَلِف، تَشَابَهَ فِي النِّهَايَة.
فَقَالَ مُحَمَّد:
لا تُصَدِّقِي كَلَامِي…
صَدِّقِي مَا أَفْعَلُهُ حِينَ تَخْتَلِفُ الظُّرُوف.
ثُمَّ وَصَلَ إِلَى قَلْبِ المَمْلَكَة.
هُنَاكَ، لَمْ يَجِدْ تَاجًا مِنَ الذَّهَب.
وَجَدَ سُؤَالًا صَغِيرًا يَلْمَعُ فِي الظَّلَام:
هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكُونَ عَلَى طَبِيعَتِي مَعَكَ؟
فَأَجَابَ مُحَمَّد:
نَعَم.
بِخَوْفِكِ، وَعِنَادِكِ، وَصَمْتِكِ، وَكَثْرَةِ تَفْكِيرِكِ، وَجُنُونِ أَسْئِلَتِكِ.
لا أُرِيدُكِ نُسْخَةً مُرَتَّبَةً لِأُحِبَّكِ.
أُرِيدُكِ حَقِيقِيَّةً كَيْ أَفْهَمَكِ.
حين يكتب الخوف رواياته
كَانَتْ تَرْسُمُ فِي عَقْلِهَا أَحْيَانًا أَشْيَاءَ لَمْ تَحْدُث.
تَتَخَيَّلُ رَحِيلًا لَمْ يَقَع.
وَتَتَخَيَّلُ جَفَاءً لَمْ يُقَال.
وَتَتَخَيَّلُ بُرُودًا مِنْ تَأَخُّرِ رِسَالَة.
وَتَصْنَعُ مِنْ صَمْتٍ قَصِيرٍ قِصَّةً طَوِيلَة.
لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ يَضْحَكُ عَلَيْهَا.
كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ العَقْلَ حِينَ يَخَاف، يُصْبِحُ كَاتِبًا مُتْعِبًا.
يَكْتُبُ رِوَايَاتٍ كَامِلَةً مِنْ مَشْهَدٍ وَاحِد.
يَصْنَعُ مِنَ الاحْتِمَالِ حَقِيقَة.
وَمِنَ الهَدُوءِ تَهْدِيدًا.
وَمِنَ الغِيَابِ المُؤَقَّتِ نِهَايَةً مُرْعِبَة.
كَانَ يَقُولُ لَهَا:
أَعْرِفُ أَنَّ عَقْلَكِ لا يَخْتَرِعُ الخَوْفَ عَبَثًا.
هُوَ فَقَطْ يُحَاوِلُ أَنْ يَحْمِيَكِ قَبْلَ أَنْ تُجْرَحِي.
لَكِنْ تَعَالَيْ نُعَلِّمُهُ فَرْقًا صَغِيرًا:
لَيْسَ كُلُّ تَأَخُّرٍ تَغَيُّرًا.
وَلَيْسَ كُلُّ صَمْتٍ رَحِيلًا.
وَلَيْسَ كُلُّ هُدُوءٍ بُرُودًا.
وَلَيْسَ كُلُّ مَاضٍ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاقَبَ بِهِ الحَاضِر.
فَكَانَ عَقْلُهَا يَخْفِضُ صَوْتَهُ قَلِيلًا.
وَكَأَنَّهُ لِلمَرَّةِ الأُولَى لا يَشْعُرُ أَنَّهُ وَحْدَهُ فِي حِرَاسَتِهَا.
الفهم بدل الضغط والاتهام
لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ يُدَاعِبُ عَقْلَهَا بِالكَذِب.
وَلَا بِالوُعُودِ الكَبِيرَة.
وَلَا بِالضَّجِيج.
كَانَ يُدَاعِبُهُ بِالفَهْم.
حِينَ تُفَكِّرُ كَثِيرًا، لا يَطْلُبُ مِنْهَا أَنْ تَصْمُتَ.
بَلْ يَقُولُ:
أَخْبِرِينِي مَا الَّذِي دَارَ فِي دَاخِلِكِ.
حِينَ تَتَرَدَّدُ، لا يَتَّهِمُهَا بِالبُرُود.
بَلْ يَقُولُ:
أَعْرِفُ أَنَّ التَّرَدُّدَ أَحْيَانًا طَرِيقَةُ العَقْلِ فِي طَلَبِ الأَمَان.
حِينَ تَسْأَلُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّة، لا يَسْأَم.
بَلْ يَفْهَمُ أَنَّ بَعْضَ الأَسْئِلَةِ لا تَبْحَثُ عَنْ مَعْلُومَة،
بَلْ عَنْ طُمَأْنِينَةٍ مُتَكَرِّرَة.
حِينَ تَقُولُ:
لَا أَدْرِي لِمَاذَا أَنَا هَكَذَا.
يَقُولُ:
لَسْتِ غَرِيبَة.
أَنْتِ فَقَطْ عَقْلٌ حَسَّاس، وَقَلْبٌ يَخَافُ أَنْ يُسِيءَ الاخْتِيَار.
وَهُنَا كَانَتْ تَشْعُرُ أَنَّهُ لا يُلَامِسُ سَطْحَهَا،
بَلْ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَكَانٍ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ أَحَد.
مَكَانٍ بَيْنَ الفِكْرِ والخَوْف.
بَيْنَ الرَّغْبَةِ والحَذَر.
بَيْنَ “أُرِيدُهُ” وَ “مَاذَا لَوْ آذَانِي؟”
حوار مع عقلها وما يخشاه
قَالَ مُحَمَّد لِعَقْلِهَا:
مِمَّ تَخَافُ؟
قَالَ العَقْل:
أَخَافُ أَنْ يُحِبَّهَا أَحَدٌ فِي البِدَايَةِ، ثُمَّ يَتْعَبُ مِنْ تَفَاصِيلِهَا.
أَخَافُ أَنْ يُعْجَبَ بِضِحْكَتِهَا، ثُمَّ يَضِيقَ بِحُزْنِهَا.
أَخَافُ أَنْ يَمْدَحَ عُمْقَهَا، ثُمَّ يَهْرُبَ مِنْ أَسْئِلَتِهَا.
أَخَافُ أَنْ يَقُولَ لَهَا: كُونِي عَلَى طَبِيعَتِكِ،
فَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ، قَالَ: لَقَدْ أَتْعَبْتِنِي.
قَالَ مُحَمَّد:
وَمَاذَا تُرِيدُ مِنِّي؟
قَالَ العَقْل:
لا تُخِفْهَا بِالقُرْبِ ثُمَّ تُعَاقِبْهَا بِالغِيَاب.
لا تَفْتَحْ فِيهَا بَابًا لا تَعْرِفُ كَيْفَ تَحْرُسُه.
لا تَقُلْ لَهَا إِنَّهَا مُخْتَلِفَة، ثُمَّ تُعَامِلْهَا كَغَيْرِهَا.
لا تَقْرَأْهَا بِفَضُول، اقْرَأْهَا بِأَمَانَة.
قَالَ مُحَمَّد:
وَإِنْ فَعَلْتُ؟
قَالَ العَقْل:
إِذَا فَهِمْتَنِي، سَأَسْمَحُ لِقَلْبِهَا أَنْ يُحِبَّكَ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ أَنَّهُ يَخُونُ نَفْسَه.
وَإِذَا أَثْبَتَّ لِي أَنَّكَ لا تَسْتَعْجِلُ فَتْحَ المَمْلَكَة،
سَأُعْطِيكَ المِفْتَاح.
سَكَتَ مُحَمَّد قَلِيلًا، ثُمَّ قَال:
لا أُرِيدُ المِفْتَاحَ لِأَمْلِكَ.
أُرِيدُهُ لِأَحْرُسَ.
فَهُنَا…
لَانَتْ أَقْفَالٌ كَثِيرَة.
أجمل ما يحدث لها أن تُفهم
أَجْمَلُ مَا يَحْدُثُ لِلأُنْثَى لَيْسَ أَنْ تُحَبَّ فَقَط.
بَلْ أَنْ تُفْهَم.
الحُبُّ دُونَ فَهْمٍ قَدْ يَكُونُ ضَجِيجًا جَمِيلًا.
أَمَّا الفَهْمُ، فَهُوَ البَيْت.
الفَهْمُ أَنْ لا تَحْتَاجَ إِلَى شَرْحِ نَفْسِهَا فِي كُلِّ مَرَّة.
أَنْ لا تَعْتَذِرَ عَنْ حَسَاسِيَّتِهَا.
أَنْ لا تَخْجَلَ مِنْ كَثْرَةِ أَسْئِلَتِهَا.
أَنْ لا تُخْفِي خَوْفَهَا كَيْ لا تُوصَفَ بِالمُبَالَغَة.
أَنْ لا تَتَصَنَّعَ الخِفَّةَ وَفِي دَاخِلِهَا عَالَمٌ ثَقِيل.
مَعَ مُحَمَّد، كَانَتْ تَشْعُرُ أَنَّ عَقْلَهَا لا يُخِيفُه.
كَانَ يَجْلِسُ مَعَ أَسْئِلَتِهَا كَمَنْ يَجْلِسُ مَعَ ضُيُوفٍ كِرَام.
وَيَسْتَمِعُ لِخَوْفِهَا كَأَنَّهُ لَيْسَ عَيْبًا،
بَلْ جُزْءٌ مِنْ حِكَايَةٍ يَنْبَغِي أَنْ تُقْرَأَ بِرِفْق.
وَحِينَ شَعَرَتْ أَنَّ عَقْلَهَا آمِن،
هَدَأَ قَلْبُهَا.
وَحِينَ هَدَأَ قَلْبُهَا،
أَزْهَرَتْ رُوحُهَا.
وَحِينَ أَزْهَرَتْ رُوحُهَا،
تَغَيَّرَتْ مَلَامِحُهَا.
لَمْ تَعُدْ تَبْتَسِمُ لِتُخْفِي،
بَلْ تَبْتَسِمُ لِأَنَّهَا تَشْعُرُ أَخِيرًا أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَفْهَمُ الفَوْضَى الَّتِي كَانَتْ تَسْكُنُهَا.
الثقة لا تُنتزع… بل تُصان
كَانَ مُحَمَّدٌ يُؤْمِنُ أَنَّ عَقْلَ الأُنْثَى لا يُسْرَق.
وَلا يُؤْخَذُ بِالخِدَاع.
وَلا يُفْتَحُ بِالضَّغْط.
عَقْلُ الأُنْثَى إِذَا فُتِحَ لَكَ، فَهَذَا لَيْسَ انْتِصَارًا عَلَيْهَا.
بَلْ ثِقَةٌ مِنْهَا.
وَالثِّقَةُ لا تُسْتَعْمَلُ كَسِلَاح.
الثِّقَةُ تُصَان.
لِذَلِكَ كَانَ يَقُولُ:
لا أُرِيدُ أَنْ أُقْنِعَكِ قَسْرًا.
أُرِيدُ أَنْ تَصِلِي إِلَيَّ وَأَنْتِ مُطْمَئِنَّة.
لا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ الضَّجِيجَ الَّذِي يُسْكِتُ أَسْئِلَتَكِ.
أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ الهُدُوءَ الَّذِي يَجْعَلُ أَسْئِلَتَكِ تَنْتَهِي وَحْدَهَا.
مَنْ يَكْسِبُ عَقْلَ الأُنْثَى بِالخِدَاع، يَخْسَرُهَا حِينَ تَصْحُو.
وَمَنْ يَكْسِبُهُ بِالفَهْم، يَبْقَى فِي ذَاكِرَتِهَا كَمَعْنًى لا يُنْسَى.
فَالعَقْلُ لا يَحْتَفِظُ بِكُلِّ مَنْ أَحَبَّهُ القَلْب.
لَكِنَّهُ يَحْتَفِظُ بِمَنْ فَهِمَهُ.
وَلَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ وَحْدَهُ الَّذِي يَقْرَؤُهَا.
هِيَ أَيْضًا كَانَتْ تَقْرَؤُه.
كَانَتْ تَرَى ثِقَتَهُ بِنَفْسِهِ،
وَلَكِنَّهَا تَبْحَثُ:
هَلْ هَذِهِ الثِّقَةُ أَمَانٌ أَمْ غُرُور؟
كَانَتْ تَرَى كِبْرِيَاءَهُ،
وَلَكِنَّهَا تَسْأَل:
هَلْ هُوَ كِبْرِيَاءُ رَجُلٍ يَصُون، أَمْ كِبْرِيَاءُ رَجُلٍ يَقْسُو؟
كَانَتْ تَرَى لُطْفَهُ،
وَلَكِنَّهَا تَنْتَظِرُ:
هَلْ يَبْقَى هَذَا اللُّطْفُ حِينَ أَخْتَلِف؟
حِينَ أَغْضَب؟
حِينَ أَتْعَب؟
حِينَ لا أَكُونُ تِلْكَ النُّسْخَةَ الجَمِيلَةَ السَّهْلَة؟
هي أيضًا كانت تقرأ الرجل
وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَعْرِفُ أَنَّ عَقْلَ الأُنْثَى لا يَكْتَفِي بِالجَمِيلِ مِنَ البِدَايَات.
هُوَ يُرَاقِبُ النِّهَايَاتِ الصَّغِيرَة.
كَيْفَ تُنْهِي خِلَافًا؟
كَيْفَ تَعُودُ بَعْدَ الغَضَب؟
كَيْفَ تُصْلِحُ مَا أَوْجَعْتَ؟
كَيْفَ تَتَكَلَّمُ حِينَ لا تَكُونُ رَاضِيًا؟
لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يُجَمِّلُ نَفْسَهُ بِالكَلَامِ فَقَط.
كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا يَصْمُدُ أَمَامَ اخْتِبَارَاتِ عَقْلِهَا.
فَالأُنْثَى لا تَمْنَحُ مَمْلَكَتَهَا لِرَجُلٍ جَمِيلِ العِبَارَةِ فَقَط.
تَمْنَحُهَا لِرَجُلٍ لا يُخِيفُ عَقْلَهَا حِينَ يَهْدَأُ القَلْب.
قَدْ يَمُرُّ الرَّجُلُ عَلَى قَلْبِ الأُنْثَى كَانْدِهَاشٍ.
وَقَدْ يَمُرُّ عَلَى رُوحِهَا كَدُعَاء.
وَقَدْ يَمُرُّ عَلَى حَيَاتِهَا كَحَدَث.
لَكِنَّ الرَّجُلَ النَّادِرَ هُوَ الَّذِي يَبْقَى فِي عَقْلِهَا.
يَبْقَى فِي طَرِيقَةِ تَفْكِيرِهَا.
فِي مِقْيَاسِهَا لِلأَمَان.
فِي تَفْسِيرِهَا لِلرُّجُولَة.
فِي صُورَتِهَا عَنِ الحُبِّ الصَّحِيح.
فِي السُّؤَالِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ:
هَلْ يُشْبِهُ مُحَمَّدًا فِي فَهْمِهِ؟
هَلْ يَسْمَعُ كَمَا كَانَ يَسْمَع؟
هَلْ يَحْتَرِمُ عَقْلِي كَمَا احْتَرَمَه؟
هَلْ يُطَمْئِنُ الخَوْفَ فِيَّ أَمْ يَسْتَعْجِلُ قَلْبِي؟
وَهُنَا تَفْهَمُ الأُنْثَى أَنَّ بَعْضَ الرِّجَالِ لا يَسْكُنُونَ الذَّاكِرَةَ كَحُبٍّ فَقَط،
بَلْ كَمِعْيَار.
وَهَذَا أَخْطَرُ أَنْوَاعِ الحُضُور:
أَنْ لا تَكُونَ فِي قَلْبِهَا لَحْظَة،
بَلْ فِي عَقْلِهَا قَاعِدَة.
أَنْ لا تَكُونَ مُجَرَّدَ شُعُور،
بَلْ فَهْمًا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَنَازَلَ عَنْهُ بَعْدَكَ.
لا أريد نصف فهم
قَالَ مُحَمَّد فِي دَاخِلِهِ:
أَنَا لا أُحِبُّ نِصْفَ فَهْم.
لا أُرِيدُ أُنْثَى أَفْهَمُ ضِحْكَتَهَا وَأَجْهَلُ خَوْفَهَا.
لا أُرِيدُ أُنْثَى أُمَجِّدُ جَمَالَهَا وَأَتْعَبُ مِنْ أَسْئِلَتِهَا.
لا أُرِيدُ أُنْثَى أَقْتَرِبُ مِنْ قَلْبِهَا وَأَتَجَاهَلُ عَقْلَهَا.
أُرِيدُ عَقْلَهَا حِينَ يَفْكُر.
حِينَ يَتَعَب.
حِينَ يَشُكُّ.
حِينَ يَرْسُمُ احْتِمَالَاتٍ غَرِيبَة.
حِينَ يُحَاوِلُ أَنْ يَحْمِيَهَا مِنِّي، حَتَّى وَأَنَا أُحِبُّهَا.
أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لِعَقْلِهَا:
لَسْتُ هُنَا لِأَهْزِمَكَ.
لَسْتُ هُنَا لِأُسْكِتَكَ.
لَسْتُ هُنَا لِأَجْعَلَكِ تَتَخَلَّيْنَ عَنْ حَذَرِكِ قَسْرًا.
أَنَا هُنَا لِأُثْبِتَ لَكَ أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ مُمْكِنَة.
فَإِذَا اطْمَأَنَّ عَقْلُكِ،
سَيَأْتِي قَلْبُكِ وَحْدَه.
وَإِذَا اطمأنَّ قَلْبُكِ،
سَتَزْهُو رُوحُكِ.
وَإِذَا زَهَتْ رُوحُكِ،
سَيَظْهَرُ جَمَالُكِ كُلُّهُ دُونَ أَنْ أَطْلُبَه.
فَأَنَا لا أَبْحَثُ عَنْ بَابٍ سَهْل.
أَبْحَثُ عَنْ مَمْلَكَةٍ إِذَا فُتِحَتْ،
لا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَخُونَ مِفْتَاحَهَا.
حين فُتحت أبواب المملكة
فِي آخِرِ الحِوَار، وَقَفَ مُحَمَّد أَمَامَ عَقْلِهَا.
لَمْ يَكُنْ مُنْتَصِرًا.
وَلَمْ يَكُنْ مُتَفَاخِرًا.
كَانَ هَادِئًا كَرَجُلٍ فَهِمَ أَنَّ أَعْظَمَ الأَبْوَابِ لا تُفْتَحُ بِالقُوَّة.
قَالَ عَقْلُهَا:
لَقَدْ كُنْتَ صَبُورًا.
قَالَ مُحَمَّد:
لأَنَّكِ لَسْتِ شَيْئًا يُسْتَعْجَل.
قَالَ عَقْلُهَا:
وَلَمْ تَخَفْ مِنْ أَسْئِلَتِي.
قَالَ:
لأَنَّ أَسْئِلَتَكِ لَمْ تَكُنْ ضِدِّي.
كَانَتْ مَعَكِ.
قَالَ عَقْلُهَا:
وَلَمْ تُحَاوِلْ أَنْ تُسْكِتَنِي.
قَالَ:
لأَنَّ السُّكُوتَ لا يَصْنَعُ أَمَانًا.
الفَهْمُ يَصْنَعُه.
فَسَكَتَ عَقْلُهَا طَوِيلًا.
ثُمَّ قَال:
إِذًا ادْخُلْ…
لا إِلَى القَلْبِ فَقَط،
بَلْ إِلَى المَمْلَكَة.
وَدَخَلَ مُحَمَّد.
لَمْ يَدْخُلْ كَمَالِك.
دَخَلَ كَأَمِين.
لَمْ يَدْخُلْ لِيُغَيِّرَهَا.
دَخَلَ لِيَفْهَمَهَا.
لَمْ يَدْخُلْ لِيَسْتَعْمِلَ مَخَاوِفَهَا ضِدَّهَا.
دَخَلَ لِيَجْعَلَ مَخَاوِفَهَا أَخَفّ.
وَهُنَا عَرَفَتِ الأُنْثَى أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يُحَاوِرُ عَقْلَهَا بِهَذَا الرِّفْق،
لا يَكْتَفِي بِأَنْ يُحِبَّهَا.
إِنَّهُ يَحْتَرِمُ كُلَّ مَا جَعَلَهَا هِيَ.
فَالقَلْبُ قَدْ يَقَع.
وَالرُّوحُ قَدْ تَحْلُم.
وَالجَسَدُ قَدْ يَمِيل.
لَكِنَّ العَقْلَ إِذَا قَالَ: هَذَا آمِن…
فَقَدْ فُتِحَتِ المَمْلَكَةُ كُلُّهَا.
أن يترك في العقل طمأنينة
وَأَنَا مُحَمَّد،
لَا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ رَجُلًا مَرَّ عَلَى قَلْبِ أُنْثَى فَأَبْهَرَهَا ثُمَّ رَحَل.
أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ الرَّجُلَ الَّذِي إِذَا تَذَكَّرَتْهُ، قَالَ عَقْلُهَا قَبْلَ قَلْبِهَا:
هَذَا كَانَ يَفْهَمُنِي.
هَذَا لَمْ يُرْهِقْنِي.
هَذَا لَمْ يَسْخَرْ مِنْ خَوْفِي.
هَذَا لَمْ يَطْلُبْ مِنِّي أَنْ أَكُونَ أَقَلَّ عُمْقًا.
هَذَا مَرَّ عَلَى مَمْلَكَتِي…
فَلَمْ يَكْسِرْ بَابًا،
وَلَمْ يَخُنْ مِفْتَاحًا،
وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا وَقَدْ تَرَكَ فِي العَقْلِ طُمَأْنِينَة،
وَفِي القَلْبِ نُورًا،
وَفِي الرُّوحِ سَبَبًا جَدِيدًا لِلثِّقَة.
فَمَنْ فَهِمَ عَقْلَ الأُنْثَى، لَمْ يَكْسِبْ حِوَارًا فَقَط…
كَسِبَ مَمْلَكَةً كَامِلَةً لا تُفْتَحُ إِلَّا لِرَجُلٍ يَعْرِفُ قِيمَةَ المِفْتَاح.
مساحة التعليق
اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.
0 تعليق هنا