الرحمن: حين تسبقك الرحمة قبل أن تعتذر

الرحمن: حين تسبقك الرحمة قبل أن تعتذر
الرحمن… حين تسبقك الرحمة قبل أن تعتذر

بوح إيماني طويل يخاطب القلب عن اسم الرحمن، وسعة رحمة الله في العطاء والمنع والستر والتوبة والجبر والهداية.

يتدرج النص من رحمة الله بالعبد قبل أن يعرفها، إلى مقاومة اليأس والعودة الصادقة، ثم يختم بدعاء وومضة رجاء.

بوح وجداني مستلهم من معنى الآية، وليس تفسيرًا علميًا أو شرحًا عقديًا تفصيليًا لأسماء الله وصفاته.
الرَّحْمٰن حين تسبقك الرحمة قبل أن تعتذر
الآية الواردة في النص

﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾

تعال إلى الرحمن كما أنت

يا قلبي…

تعال اليوم
لا كمن يقرأ اسمًا فقط،

بل كمن يضع جراحه
على باب رحمة الله.

تعال متعبًا.

تعال خائفًا.

تعال مذنبًا.

تعال كما أنت.

فأنت اليوم
بين يدي اسمٍ
لو فهمه قلبك
لما يئس أبدًا.

الرَّحْمٰن…

يا قلبي…

ليس اسمًا نكتبه
ونمضي.

وليس لفظًا نردده
دون أن ننتبه.

الرَّحْمٰن
هو الاسم الذي يقول لك:

مهما ضاقت بك الأرض،
فرحمة الله أوسع.

ومهما كثرت ذنوبك،
فباب الله أعظم.

ومهما تكرر سقوطك،
فلا تجعل الشيطان
يقنعك أن العودة انتهت.

رحمك قبل أن تعرف معنى الرحمة

يا قلبي…

الرَّحْمٰن
هو الذي رحمك
قبل أن تعرف معنى الرحمة.

رحمك وأنت جنين
لا تملك لنفسك شيئًا.

رحمك يوم خرجت إلى الدنيا
ضعيفًا لا تعرف الكلام.

رحمك يوم بكيت
فهيّأ لك صدرًا يضمك.

ورحمك يوم جعت
فساق إليك رزقك.

ورحمك يوم مرضت
فجعل في جسدك أسباب شفاء.

ورحمك يوم نمت
فحفظك وأنت لا تدري.

يا قلبي…

كم رحمةٍ مرّت عليك
ولم تنتبه لها؟

كم لطفٍ خفيّ
دخل حياتك بهدوء
ثم خرجت منه سالمًا؟

كم بلاءٍ كان قريبًا منك
فصرفه الله عنك
وأنت لا تعلم؟

كم طريقٍ أردته
ثم مُنعت منه
فحزنت،
ثم علمت بعد حين
أن المنع كان رحمة؟

ذلك الرحمن يا قلبي.

ذلك ربك.

يرحمك أحيانًا
بما تحب.

ويرحمك أحيانًا
بما تكره.

يرحمك بالعطاء.

ويرحمك بالمنع.

يرحمك بالقرب.

ويرحمك بالتأخير.

يرحمك حين يفتح لك بابًا.

ويرحمك حين يغلق عنك بابًا
لو دخلته
لخرجت منه مكسورًا.

رحمة العطاء والمنع والتأخير

يا قلبي…

لا تفهم الرحمة
على أنها أن يعطيك الله
كل ما تريد.

فأنت لا ترى الغيب.

ولا تعرف العواقب.

ولا تدري أين الخير.

قد تطلب الشيء
وفيه هلاكك.

وقد تبكي على فوات أمرٍ
وكان فواته
أجمل رحمةٍ بك.

وقد تتمسك ببابٍ
والله يصرفك عنه
لأنه يعلم
ما لا تعلم.

يا قلبي…

الرحمن
لا يراك من بعيد.

ولا يسمعك ببرود.

ولا يتعامل مع ضعفك
كما يتعامل الناس.

الناس إذا أكثرت الشكوى
ملّوا.

وإذا تكرر خطؤك
قست قلوبهم.

وإذا رأوا عيبك
ربما ابتعدوا.

أما الرحمن…

فيعلم عيبك
ثم يسترك.

ويعلم ضعفك
ثم يرحمك.

ويعلم أنك ستقع
ثم يفتح لك باب التوبة.

ويعلم أنك ستبكي
ثم يجعل في البكاء طهارة.

الستر والتذكير وباب الرجوع

يا قلبي…

كم مرة قلت:
لا أستحق؟

ومع ذلك
رزقك الله.

كم مرة قلت:
لقد ابتعدت كثيرًا؟

ومع ذلك
فتح لك باب الرجوع.

كم مرة أخطأت
ثم خفت أن تُفضح؟

فسترك.

كم مرة نسيت الله
فذكّرك بلطف؟

كم مرة قسا قلبك
فجاءتك آية
كأنها نزلت على جرحك وحده؟

ذلك الرحمن يا قلبي.

يرسل لك الرسائل
في هيئة آية.

في هيئة صلاة فجر.

في هيئة دمعة.

في هيئة خوفٍ مفاجئ
يعيدك إليه.

في هيئة شخصٍ ينصحك.

في هيئة ضيقٍ في صدرك
حتى لا تطمئن للمعصية.

وفي هيئة نورٍ صغير
يفتح في قلبك السؤال:

إلى متى البعد عن الله؟

رحمته وسعت كل شيء

يا قلبي…

الرَّحْمٰن
هو الذي وسعت رحمته كل شيء.

رحمته ليست ضيقة
كصدور البشر.

ولا مشروطة
كمحبة الناس.

ولا متقلبة
كتقلب القلوب.

رحمته واسعة.

أوسع من حزنك.

أوسع من خوفك.

أوسع من ماضيك.

أوسع من ذنبك
إذا صدقت في التوبة.

أوسع من كل ليلة
ظننت فيها
أنك لن تنجو.

يا قلبي…

تأمل حولك.

هذه السماء
رحمة.

وهذا الهواء
رحمة.

وهذا القلب الذي ينبض
رحمة.

وهذه العين التي ترى
رحمة.

وهذا اللسان الذي يقول:
يا رب
رحمة.

وهذه القدرة على السجود
رحمة.

وهذه الرغبة في الرجوع
رحمة.

حتى شعورك بالندم
ليس لعنة.

إنه رحمة.

لولا أن الله أراد بك خيرًا
لما أزعجك ذنبك.

ولولا أن في قلبك بقية حياة
لما تألمت من بعدك.

يا قلبي…

لا تحتقر دمعةً
سقطت خوفًا من الله.

ولا تحتقر لحظة ندمٍ
أحيت داخلك شيئًا مات.

ولا تحتقر سجدةً
دخلتها مكسورًا
وخرجت منها أخف.

فالرحمن
قد يفتح لك من باب الانكسار
ما لم يفتحه لك
من باب القوة.

اسم الرحمن يهدم اليأس

يا قلبي…

أحيانًا لا تحتاج
إلى من يقول لك:
كن قويًا.

بل تحتاج إلى أن تتذكر
أن ربك رحمن.

لأنك بشر.

تتعب.

وتضعف.

وتغفل.

وتخاف.

وتنطفئ.

وتتظاهر بأنك بخير
وأنت من الداخل
تبحث عن يدٍ لا تراها
تنتشلك.

وهنا يأتي اسم الرحمن.

كأنه يضع على قلبك
بردًا لا يشبه برد الدنيا.

كأنه يقول لك:

لا تحمل وحدك.

لا تقف بعيدًا.

لا تجعل ذنبك
يدفعك إلى الهروب مني.

بل اجعل ذنبك
يدفعك إلى الرجوع إليّ.

يا قلبي…

أشد ما يؤلم الإنسان
أن يظن أن الله لا يريد عودته.

وهذا من تلبيس الشيطان.

فالشيطان إذا أسقطك في الذنب
لم يكتفِ بالذنب.

بل يريد بعدها
أن يسقطك في اليأس.

يقول لك:
أنت لا تصلح.

أنت تكرر الخطأ.

أنت بعيد.

أنت لا تستحق.

لكن اسم الرحمن
يهدم هذا الظلام كله.

يقول لك:
ارجع.

ولو بعد ألف عثرة.

ارجع.

ولو حملت على ظهرك
سنوات من التقصير.

ارجع.

فما دمت حيًا
فباب الرحمة لم يغلق.

معرفة الرحمن أعظم رحمة

يا قلبي…

الرحمن
يرحم عباده
بأن يعرّفهم به.

وهذه أعظم رحمة.

أن تعرف أن لك ربًا
لا يضيعك.

أن تعرف أن سجدةً واحدة
قد تغيّر داخلك.

أن تعرف أن الدعاء
ليس كلامًا في الهواء.

أن تعرف أن التوبة
ليست أمنية بعيدة.

أن تعرف أن الله
أقرب إلى قلبك
من كل بابٍ طرقته.

يا قلبي…

حين تقرأ:
بسم الله الرحمن الرحيم

لا تمر عليها سريعًا.

قف.

فأنت تبدأ يومك
باسم الرحمن.

وتبدأ طعامك
باسم الرحمن.

وتبدأ قراءتك
باسم الرحمن.

وتبدأ أعمالك
باسم الرحمن.

كأن الله يعلّمك
أن أول ما تحتاجه في الطريق
ليس قوتك.

ولا ذكاءك.

ولا تدبيرك.

بل رحمة ربك.

يا قلبي…

لو دخلت كل باب
بغير رحمة الله
تعبت.

ولو ملكت كل سبب
بغير رحمة الله
ضعت.

ولو أحبك الناس كلهم
بغير رحمة الله
بقي في داخلك فراغ.

ولو صفّق لك العالم
بغير رحمة الله
ما سكن قلبك.

فاسأل الرحمن دائمًا
رحمةً تهديك.

رحمةً تسترك.

رحمةً تحفظك.

رحمةً تردك إليه.

رحمةً تصلح ما بينك وبينه.

رحمةً تطفئ خوفك.

رحمةً تشرح صدرك.

رحمةً تجعلك
لا تغتر بنعمة،
ولا تيأس من ذنب،
ولا تنسى الآخرة.

لا تقس على نفسك أكثر مما ينبغي

يا قلبي…

الرَّحْمٰن
هو الذي يرحمك
حين لا ترحم نفسك.

أنت أحيانًا
تقسو على نفسك أكثر من اللازم.

تجلدها.

تحتقرها.

تقول:
لا فائدة مني.

وتنسى
أن الله خلقك
ليكرمك بطاعته،
لا لتغرق في كراهية نفسك.

نعم،
حاسب نفسك.

نعم،
عاتبها.

نعم،
انهض بها.

لكن لا تدفنها في اليأس.

فالرحمن
لا يريد منك أن تيأس،
بل يريد منك أن تعود.

يا قلبي…

رحمة الله
ليست دعوة للتهاون.

ولا بابًا للاستهانة بالذنب.

ولا عذرًا للإصرار.

بل هي نور
يجعلك تستحي.

كلما تذكرت
أن الله سترك
وأنت تعصيه،
استحييت.

وكلما تذكرت
أنه رزقك
وأنت تغفل،
انكسر قلبك حبًا وخجلًا.

وكلما تذكرت
أنه أمهلك
ولم يعاجلك،
قلت:
يا رب،
ما أكرمك.

يا قلبي…

من عرف الرحمن
لم يصر جريئًا على المعصية.

بل صار أرقّ قلبًا.

أشد حياءً.

أكثر رجاءً.

أعظم خوفًا من أن يقابل الرحمة بالجحود.

لأن الرحمة إذا دخلت القلب
لم تجعله باردًا.

بل جعلته حيًا.

يبكي من النعمة.

ويخجل من الستر.

ويشتاق إلى الطاعة.

ويكره أن يعود
إلى الظلام بعد النور.

الرحمة الخفية والنجاة قبل السقوط

يا قلبي…

تذكر تلك اللحظات
التي كنت فيها على الحافة.

حافة قرارٍ خاطئ.

حافة ذنب.

حافة يأس.

حافة انهيار.

ثم جاءك شيء
لا تعرف كيف جاء.

كلمة.

آية.

اتصال.

خوف.

موقف.

دمعة.

صلاة.

فابتعدت عن السقوط.

هذه رحمة الرحمن.

ليست كل الرحمة
أن ينقذك بعد أن تسقط.

أحيانًا الرحمة
أن يمنعك من السقوط
وأنت لا تدري.

يا قلبي…

ومن رحمة الله
أنه لا يكشف لك كل شيء.

لو كشف لك الغيب كله
لتعبت.

ولو أراك كل ما صرف عنك
لذاب قلبك دهشة.

ولو عرفت كم مرة
نجاك من شرٍ لم تره،
لظللت تقول:
الحمد لله
حتى ينقطع النفس.

ومن رحمته
أنه يعطيك ما يكفيك
في الوقت الذي تحتاجه.

لا كما تريد دائمًا.

بل كما يصلحك.

يا قلبي…

لا تستعجل.

فالرحمن
قد يربيك بالانتظار.

وقد يطهرك بالحرمان.

وقد يرفعك بالصبر.

وقد يجعلك تبكي اليوم
حتى يطهّر قلبك لغدٍ أجمل.

ليست كل دمعة عقوبة.

بعض الدموع
غسلٌ من الداخل.

وليست كل خسارة شرًا.

بعض الخسارات
رحمة متخفية.

وليست كل وحدة قسوة.

بعض الوحدة
خلوةٌ يعيد الله بها قلبك إليه.

يعلم قصتك قبل أن تشرح

يا قلبي…

إذا شعرت أنك مكسور
فاذكر الرحمن.

وإذا شعرت أنك لا تستطيع الكلام
فاذكر الرحمن.

وإذا شعرت أن أحدًا لا يفهمك
فاذكر الرحمن.

فهو يعلم القصة كاملة.

يعلم بدايتها.

ويعلم ما أخفيته.

ويعلم ما لم تستطع شرحه.

ويعلم ما بكى داخلك
ولم يظهر في عينيك.

يا قلبي…

أنت لا تحتاج
أن ترتب جملك أمام الله.

ولا تحتاج
أن تشرح له دمعتك.

ولا تحتاج
أن تبرر له خوفك.

هو يعلم.

يعلم قبل أن تقول.

ويرحم قبل أن تطلب.

ويلطف قبل أن تنتبه.

يا قلبي…

إذا قلت:
يا رحمن

فقلها كالغريق
حين يرى الشاطئ.

قلها كالتائب
حين يجد الباب مفتوحًا.

قلها كالطفل
حين يعود إلى حضن الأمان.

قلها كمن أنهكته الدنيا
ثم تذكر
أن له ربًا
أرحم به من كل الخلق.

يا رحمن…

كم سترت.

وكم لطفْت.

وكم حلمت.

وكم أعطيت.

وكم صرفت.

وكم جبرت.

وكم أمهلت.

وكم ناديتنا إلى الرجوع
ونحن نؤجل.

آثار الرحمة حولك

يا قلبي…

هل رأيت رحمة الله
في صلاة الفجر؟

حين يوقظك
من بين النائمين.

هذه رحمة.

هل رأيتها
في آية تقرؤها
فتشعر أنها تخاطبك؟

هذه رحمة.

هل رأيتها
في ذنبٍ ضاق به صدرك
حتى تبت؟

هذه رحمة.

هل رأيتها
في دعاء خرج منك
وأنت لا تعرف كيف خرج؟

هذه رحمة.

هل رأيتها
في مجلس خير؟

في صاحب صالح؟

في كلمة نصح؟

في خوفٍ من سوء الخاتمة؟

في رغبةٍ أن تكون أفضل؟

كل ذلك
من آثار رحمة الرحمن.

يا قلبي…

إن أعظم خسارة
أن يعيش الإنسان
محاطًا برحمة الله
ثم لا يراها.

أن يتنفس برحمة الله
ولا يشكر.

أن يأكل برحمة الله
ولا يحمد.

أن ينام محفوظًا برحمة الله
ولا يتفكر.

أن يذنب مستورًا برحمة الله
ولا يستحي.

أن يُدعى إلى التوبة
ولا يرجع.

يا قلبي…

افتح عينيك.

رحمة الله حولك.

في جسدك.

في أهلك.

في رزقك.

في ستره عليك.

في تأخيره للعقوبة.

في إمهاله لك.

في قلبك الذي لا يزال
يحب الرجوع.

في خوفك من الذنب.

في حبك للصلاة.

في رغبتك أن تعرف أسماءه.

حتى جلوسك الآن
تقرأ عن الرحمن
رحمة.

ليست صدفة.

ولا أمرًا عابرًا.

إنها دعوة لطيفة:
اقترب.

يا قلبي…

اسم يلين القسوة ويمزق اليأس

الرَّحْمٰن
اسمٌ إذا دخل على القسوة
لينها.

وإذا دخل على اليأس
مزقه.

وإذا دخل على الحزن
خففه.

وإذا دخل على التوبة
فتح لها صدرًا واسعًا.

وإذا دخل على الدعاء
جعله مليئًا بالرجاء.

يا قلبي…

لا تقل:
أنا بعيد.

قل:
ربي رحمن.

لا تقل:
قلبي قاسٍ.

قل:
يا رحمن، ليّن قلبي.

لا تقل:
ذنبي كبير.

قل:
يا رحمن، تب عليّ.

لا تقل:
أنا وحيد.

قل:
يا رحمن، آنس وحشتي.

لا تقل:
أنا لا أستطيع.

قل:
يا رحمن، أعن ضعفي.

يا قلبي…

إن الله لم يعرّفك باسمه الرحمن
لتبقى خائفًا خوف اليأس.

بل لتجمع بين الخوف والرجاء.

تخاف ذنبك.

وترجو رحمته.

تخاف تقصيرك.

وترجو عفوه.

تخاف سوء الخاتمة.

وترجو حسن لقائه.

تخاف أن تزيغ.

وترجو أن يثبتك.

يا قلبي…

الرحمة ليست كلمة ناعمة فقط.

الرحمة قوة.

الرحمة إنقاذ.

الرحمة ستر.

الرحمة هداية.

الرحمة تربية.

الرحمة أن يأخذ الله بيدك
من طريقٍ يهلكك
إلى طريقٍ ينجيك.

حتى لو تألمت أثناء الانتقال.

من الخذلان إلى الرجوع والرحمة بالناس

يا قلبي…

أحيانًا تكون رحمة الله
في أن يكسر تعلقك بغيره.

فتتألم.

وتظن أنك فقدت شيئًا عظيمًا.

ثم تكتشف
أنك لم تفقد،
بل تحررت.

كان قلبك معلقًا بباب ضعيف.

فأغلقه الرحمن
حتى تعود إلى الباب الأقوى.

كان قلبك يطلب الأمان
من يدٍ مخلوقة.

فخذلتك اليد
حتى تعرف
أن الأمان الحقيقي
لا يكون إلا عند الله.

يا قلبي…

كم من شخصٍ كسر قلبك
وكان كسره
سبب رجوعك إلى الله؟

كم من خذلانٍ أحرقك
ثم صار بداية يقظتك؟

كم من وجعٍ ظننته نهاية
فصار أول الطريق؟

هذه رحمة
لا يفهمها القلب في البداية.

لكنه يفهمها بعد أن يهدأ.

يا قلبي…

حين يكون الله رحمنًا،
فلا تخف من صدق الرجوع.

ارجع حتى لو استحيت.

ارجع حتى لو بكيت.

ارجع حتى لو تعثرت.

ارجع وأنت تقول:
يا رب،
أنا عبدك الضعيف،
لا ملجأ لي منك إلا إليك.

فالرحمن
يحب من عبده
أن يفتقر إليه.

لا أن يتكبر بقوته.

ولا أن يغتر بصلاحه.

ولا أن ييأس من خطئه.

يا قلبي…

ما أجمل العبد
إذا عرف رحمة الله
ثم صار رحيمًا بغيره.

لا يقسو على التائبين.

ولا يفضح المخطئين.

ولا يتشمت بالضعفاء.

ولا يجعل من نفسه
قاضيًا على قلوب الناس.

من ذاق رحمة الرحمن
استحيا أن يكون قاسيًا.

ومن عرف ستر الله عليه
لم يفرح بفضيحة غيره.

ومن احتاج إلى رحمة الله
كل يوم،
لم يحتقر حاجة الناس
إلى الرحمة.

أبواب الرحمة مفتوحة من كل جهة

يا قلبي…

كن رحيمًا
لأن ربك الرحمن
يحب الرحمة.

ارحم بكلمة.

ارحم بستر.

ارحم بعفو.

ارحم بتجاوز.

ارحم بمنح فرصة.

ارحم بقلبٍ لا يتكبر
على مكسور.

فالقلوب التي ذاقت الرحمة
لا تمشي في الأرض
كأنها لم تنكسر يومًا.

يا قلبي…

الرَّحْمٰن
يعلم أن الطريق طويل.

وأن النفس تضعف.

وأن الدنيا تفتن.

وأن الشيطان يوسوس.

وأن القلب يتقلب.

ولهذا فتح لك أبوابًا كثيرة:

باب الصلاة.

باب الدعاء.

باب الذكر.

باب التوبة.

باب الصدقة.

باب القرآن.

باب السجود.

باب الاستغفار.

كأن الرحمة تحيط بك
من كل جهة،
وتقول لك:
لا تجعل للضياع عليك سلطانًا.

يا قلبي…

إذا قست عليك الحياة،
فلا تقسُ على نفسك
حتى تنكسر مرتين.

خذ نفسك إلى الرحمن.

قل لها:
يا نفس،
تعبتِ كثيرًا
لأنكِ ابتعدتِ كثيرًا.

تعالي نعود.

تعالي نطرق باب الرحمن.

تعالي نبكي بصدق.

تعالي نبدأ من جديد.

فليس العيب
أن نعود مكسورين.

العيب
أن نبقى بعيدين
والباب مفتوح.

رحمة تعرف موضع وجعك

يا قلبي…

الرَّحْمٰن
لا يراك رقمًا في الزحام.

ولا يضيع صوتك
بين أصوات الداعين.

ولا تختلط عليه دمعتك
بدموع الباكين.

هو يعلمك.

يعلم اسمك.

يعلم قصتك.

يعلم موضع وجعك.

يعلم ما تخفيه
حتى عن أقرب الناس إليك.

يعلم أين تحتاج الرحمة
بالضبط.

في قلبك.

في بيتك.

في رزقك.

في صلاتك.

في أولادك.

في مستقبلك.

في ذنبٍ تخشى أثره.

في خوفٍ لا يهدأ.

في حزنٍ قديم
لم يخرج من صدرك بعد.

يا قلبي…

قل:
يا رحمن.

واسأله أن يرحمك
رحمةً تليق بكرمه.

لا رحمةً على قدر فهمك.

ولا رحمةً على قدر أمنياتك الضيقة.

بل رحمةً من عنده.

رحمةً تصلح بك ما لا تعرف فساده.

وتجبر فيك ما لا تعرف كسره.

وتحفظك من شرٍ
لا تعرف اقترابه.

وترفعك إلى مقامٍ
لم تكن تظن أنك تصل إليه.

يا قلبي…

إذا عرف العبد اسم الرحمن
صار أكثر أدبًا مع أقدار الله.

إذا جاءه الخير
قال:
رحمة.

وإذا صُرف عنه الشر
قال:
رحمة.

وإذا تأخر مطلوبه
قال:
لعل في التأخير رحمة.

وإذا مُنع
قال:
لعل المنع رحمة.

وإذا ابتلي
قال:
لعل البلاء يطهّرني
برحمة الله.

ليس لأنه لا يتألم.

بل لأنه لا يتهم ربه.

دعاء الرحمة وفرص الرجوع

يا قلبي…

ما أجمل أن تكون بين يدي الرحمن
وأنت صادق.

تقول:
يا رب،
أنا لا أحسن الطريق إلا بك.

ولا أثبت إلا برحمتك.

ولا أنجو إلا بعفوك.

ولا أصلح إلا بتوفيقك.

فلا تردني إلى نفسي.

ولا تجعلني أعتمد على قوتي.

ولا تتركني لقلبي
إذا قسا.

ولا لشهوتي
إذا طغت.

ولا لحزني
إذا أظلم.

يا قلبي…

من رحمة الرحمن
أنه جعل لك في كل يوم
فرصة رجوع.

كل فجر
فرصة.

كل وضوء
فرصة.

كل سجدة
فرصة.

كل استغفار
فرصة.

كل آية
فرصة.

كل لحظة حياة
فرصة.

فلا تؤجل قلبك
حتى يبرد.

ولا تؤجل توبتك
حتى يقسو الطريق.

ولا تؤجل سجودك
حتى تزدحم عليك الندامة.

يا قلبي…

قل الآن:
يا رحمن،
ارحمني.

ارحمني من قسوة قلبي.

ارحمني من غفلتي.

ارحمني من ذنوبي.

ارحمني من نفسي
إذا قادتني بعيدًا عنك.

ارحمني من دنيا
تسرقني منك.

ارحمني من تعلقٍ
لا يرضيك.

ارحمني من حزنٍ
يطفئ يقيني.

ارحمني من خوفٍ
ينسيني حسن ظني بك.

يا قلبي…

هل تشعر الآن
أن الاسم ليس بعيدًا؟

الرَّحْمٰن
ليس فكرةً في كتاب.

إنه معنى يربّي قلبك.

معنى إذا دخل في صدرك
جعلك تبكي وتبتسم معًا.

تبكي لأنك مقصر.

وتبتسم
لأن ربك رحمن.

تبكي لأن الطريق طويل.

وتطمئن
لأن الرحمة أوسع.

تبكي لأنك ضعيف.

وتنهض
لأنك لست وحدك.

يا قلبي…

في نهاية هذا الباب
لا تخرج كما دخلت.

اخرج وأنت تحمل يقينًا واحدًا:

أن رحمة الله
ليست بعيدة عنك.

لكن اقترب أنت.

وافتح قلبك.

واصدق في رجوعك.

ولا تجعل اليأس
يسرق منك أعظم باب.

فربك
هو الرحمن.

اللهم يا رحمن…

ارحمني رحمةً
تغسل قلبي من القسوة.

وتردني إليك
إذا ابتعدت.

وتسترني
إذا ضعفت.

وتجبرني
إذا انكسرت.

وتهديني
إذا تحيرت.

وتفتح لي من أبواب الخير
ما لا أعلم.

اللهم يا رحمن…

لا تجعل ذنوبي
تحجبني عن رجائك.

ولا تجعل خوفي
يطردني من بابك.

ولا تجعل حزني
ينسيني سعة رحمتك.

اللهم ارحمني
فأنا عبدك الضعيف.

واهدني
فأنا لا أهتدي إلا بك.

واجبرني
فلا جابر لقلبي إلا أنت.

اللهم اجعلني
من عبادك المرحومين،
الراجين رحمتك،
الخائفين من معصيتك،
المقبلين عليك بصدق.

ومضة: لا تيأس وربك الرحمن

ومضة

يا قلبي…

لا تيأس
وفي السماء ربٌ اسمه الرحمن.

فما دمت تعرف طريق الرجوع،
فأنت لم تضع كل الضياع.

وما دام قلبك يقول:
يا رحمن،
فارفع يديك.

فالرحمة أوسع
من كسرك،
ومن خوفك،
ومن ذنبك،
ومن كل بابٍ أغلقه الناس
في وجهك.

الرَّحْمٰن…

اسمٌ إذا سكن القلب،
علّمه أن النجاة
لا تبدأ من قوته،

بل من رحمة الله.

لا تيأس وفي السماء رب اسمه الرحمن؛ فالرحمة أوسع من كسرك وخوفك وذنبك. نص إيماني وجداني من كتابات تمتمة محمد، ويمكن مشاركة رابط المقال مع الحفاظ على اسم الكاتب والمصدر.
MBS
محمد بن سعيد الزهراني كاتب أدبي سعودي
قلب صغير منك قد يجعل هذا النص يصل إلى قلبٍ كان ينتظره.
ختم القراءة: #تمتمة_محمد — حرف يلامس القلب… وأثر لا يزول.

مساحة التعليق

اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.

0 / 300
0 تعليق هنا
تخضع التعليقات والردود للمراجعة قبل ظهورها؛ حفاظًا على جودة الحوار وسلامة القراء.
📖 تركت قلبك عند سطر سابق
حفظنا موضع قراءتك على هذا الجهاز لتكمل النص من حيث توقفت.
✨ أتممت البوح… شكرًا لقلب قرأ حتى النهاية