بوح إيماني طويل يخاطب القلب عن اسم الله، ومعنى الرجوع إليه حين تضيق الدنيا وتتعب الروح وتنقطع الأسباب.
ينتقل النص من الدعاء والافتقار إلى ذكر نعم الله وكمال أسمائه، ثم يختم بمناجاة وومضة عن السكينة التي يجدها القلب في صدق الاتجاه إليه.
باب الله الذي لا يُغلق
قبل أن تسأل عن الناس،
اسأل عن الله.
وقبل أن تطرق أبواب الخلق،
تعلّم أن باب الله
هو الباب الذي لا يُغلق.
اسم الله
ليس اسمًا عابرًا
يمر على اللسان
ثم يمضي.
اسم الله
حياةٌ كاملة.
طمأنينةٌ كاملة.
نجاةٌ كاملة.
وملجأٌ كامل
لمن أنهكته الحياة.
حين تقول:
يا الله
فأنت لا تنطق بحرفٍ فقط،
بل تفتح في صدرك
نافذةً إلى السماء.
وحين تقول:
يا الله
فأنت تعترف،
ولو من غير شرح،
أنك ضعيف
وأن لك ربًا قويًا.
وتعترف
أنك محتاج
وأن لك ربًا غنيًا.
وتعترف
أنك ضائع أحيانًا
وأن لك ربًا
لا يضل ولا ينسى.
الله الذي خلق ورزق وحفظ
ثم سوّاك.
ثم رزقك.
ثم حفظك.
ثم أمهلك.
ثم سترك.
ثم دعاك إليه
مرة بعد مرة
وأنت المقصر
وهو الكريم.
كم مرة
عصفت بك الدنيا
ثم نجوت؟
وكم مرة
ظننت أن الأمر انتهى
ثم فتح الله لك بابًا
لم يكن في بالك؟
وكم مرة
نمت مهمومًا
ثم استيقظت
وقد خفّت الكربة
أو هان الوجع
أو وجدت في قلبك
قوةً لا تعرف من أين جاءت؟
ذلك الله يا قلبي.
ذلك ربك.
ليس لأنك قوي،
بل لأنه هو الله.
ليس لأنك دائم الصواب،
بل لأنه واسع الرحمة.
ليس لأنك تستحق كل هذا اللطف،
بل لأنه ربٌ
إذا أعطى أدهش،
وإذا ستر أراح،
وإذا جبر أبكى القلب
من شدة فضله.
اسم الله
إذا دخل على الخوف
أطفأ شيئًا من ناره.
وإذا دخل على الحزن
ألقى في الروح
شيئًا من السكينة.
وإذا دخل على الذنب
فتح باب الرجاء.
وإذا دخل على الدعاء
جعله حيًا.
وإذا دخل على الوحدة
بدّد وحشتها.
يعلم خفايا القلب ويجمع شتاته
ما أكثر من يعرفون الناس
ولا يعرفون الله
كما ينبغي.
وما أكثر من يحفظون الكلام
لكن قلوبهم
لم تتذوق بعد
معنى:
الله.
يعلم خوفك
الذي تخفيه خلف هدوئك.
ويعلم حزنك
الذي تبتلع مرارته
وأنت تبتسم.
ويعلم أمنياتك
التي لا تقولها
خشية أن تنكسر
إذا خرجت من قلبك.
ويعلم ذنبك
وضعفك
وكسرك
وحاجتك
وقلة حيلتك.
ومع ذلك…
لا يطردك.
من أجمل ما في اسم الله
أنه يجمعك بعد شتاتك.
كلما تبعثرت من الداخل،
جمعك.
كلما تهت بين الأسباب،
ردك إليه.
كلما عظّم الناس في عينيك،
ذكّرك
أن العظيم حقًا
هو الله.
وكلما خفت من المستقبل،
قال لك المعنى في أعماقك:
ومن بيده المستقبل كله
إلا الله؟
إذا ضاقت بك الأرض
إذا ضاقت بك الأرض،
فلا تقل:
انتهيت.
قل:
لي ربٌ اسمه الله.
إذا خذلك الناس،
فلا تقل:
أنا وحدي.
قل:
الله معي بعلمه
ولطفه
ورحمته
وحفظه.
إذا أثقلتك ذنوبك،
فلا تقل:
لا أمل.
قل:
ربي الله،
وبابه مفتوح،
ورحمته أوسع من خطاياي
إذا صدقت التوبة.
إذا رجفت روحك من شيءٍ تخشاه،
فلا تقل:
لن أقدر.
قل:
حسبي الله.
من عرف الله
لم يعد يرى الدنيا
كما كان يراها قبل المعرفة.
تصبح النعمة
رسالة حب.
ويصبح المنع
باب حكمة.
ويصبح التأخير
تربية.
ويصبح البلاء
تنبيهًا.
ويصبح الدعاء
رفيقًا.
ويصبح السجود
ملاذًا.
ويصبح الليل
وقتًا للشكوى إلى الله
لا إلى الخلق.
معرفة الله ملاذ الحزن والضعف
ليس المقصود
أن من عرف الله
لا يحزن.
بل قد يحزن.
وقد يبكي.
وقد يضعف.
وقد يمرّ عليه من الوجع
ما يمر على سائر البشر.
لكن الفرق العظيم
أن قلبه
لا يسقط سقوطًا بلا رجعة.
لأنه كلما هوى،
وجد اسم الله
يمسكه.
وكلما انكسر،
وجد ذكر الله
يلمّه.
وكلما اختنق،
وجد في الدعاء
فسحة نجاة.
حين تقول:
الله
فكأنك تختصر
كل الأمان
في كلمة.
كل الرجاء
في كلمة.
كل الاستسلام الجميل
في كلمة.
كل النجاة
في كلمة.
كلمة المريض
إذا اشتد عليه الألم.
وكلمة الفقير
إذا ضاقت به الأسباب.
وكلمة التائه
إذا أظلمت الطرق.
وكلمة المذنب
إذا أوجعته خطاياه.
وكلمة المظلوم
إذا لم يجد ناصرًا في الأرض.
وكلمة الخائف
إذا رجف قلبه.
وكلمة المحب
إذا اشتاق لربه.
ما أكرم الله وكمال أسمائه
ما أكرم الله.
يعصيه العبد
ثم يرزقه.
ويغفل العبد
ثم يوقظه.
ويبتعد العبد
ثم يفتح له الطريق.
ويبكي العبد
فيجد أن الله
أقرب إليه
من كل ما ظنه بعيدًا.
والآخر
بعد كل شيء.
والظاهر
فليس فوقه شيء.
والباطن
فليس دونه شيء.
وهو سبحانه
العظيم
العليم
السميع
البصير
الرحيم
اللطيف
الحليم.
فإذا قلت:
الله
فأنت تلجأ
إلى الكامل في أسمائه،
وصفاته،
وكماله،
وجلاله،
وعظمته.
ما أجمل أن تعيش
وأنت تعرف
أن لك ربًا
إن أغلقت الدنيا أبوابها،
فتح لك بابه.
وإن تعبت روحك،
أراحها بذكره.
وإن ضاقت بك نفسك،
وسعها بقربه.
وإن أخطأت،
دعاك للتوبة.
وإن تبت،
فرح برجوعك.
الله يعلمك كله
الناس قد يسمعونك
ولا يفهمونك.
وقد يفهمون بعضك
ويجهلون بعضك.
وقد يحبونك يومًا
ويفترون عنك يومًا.
وقد يقربونك
ثم يبتعدون.
أما الله…
فيعلمك كله.
يعلم سرك
وجهرك.
ظاهرك
وباطنك.
ضعفك
وقوتك.
صدقك
وتقصيرك.
ولا يحتاج منك
بلاغةً كي يفهمك.
يكفيه
أن ترفع قلبك إليه.
تعال نراجع حياتنا
بهدوء.
من الذي رزقنا
قبل أن نعرف كيف نطلب؟
من الذي حفظنا
في صغرنا
وفي نومنا
وفي سفرنا
وفي غفلتنا؟
من الذي سترنا
مع كثرة التقصير؟
من الذي ألهمنا الدعاء
يوم انقطعت الحبال؟
من الذي يملك
أن يبدّل خوفنا أمنًا،
وحزننا سكينة،
وضيقنا فرجًا؟
فكيف يليق بقلبٍ
عرف هذا كله
أن يطمئن لغير الله
أكثر مما يطمئن إلى الله؟
الذكر عودة وثقة وصلة
حين يكثر عليك الضجيج،
اذكر الله.
حين تتعب من الدنيا،
اذكر الله.
حين يعلو القلق،
اذكر الله.
حين يغلبك الشوق،
اذكر الله.
حين تؤذيك الذكرى،
اذكر الله.
ليس الذكر
مجرد تكرارٍ باللسان.
الذكر
عودة.
والذكر
التفات.
والذكر
نجاة.
والذكر
إعلان حب وافتقار.
كأنك تقول:
يا رب،
لا أريد أن أبقى بعيدًا عنك.
ولا كلمةً نقولها
في المناسبات فقط.
وثقةٌ تُبنى.
وصلةٌ لا تنقطع.
ومعنىً
كلما دخل القلب
غيّره.
يجعل صاحبه
أصدق.
وأهدأ.
وأرقّ.
وأثبت.
وأعرف
بقدر نفسه
وبقدر ربه.
إلى من تلجأ إذا انكسرت؟
إذا أردت أن تعرف
مقام اسم الله فيك،
فانظر:
إلى من تلجأ
إذا انكسرت؟
وإلى من تهرب
إذا أذنبت؟
وإلى من تفزع
إذا خفت؟
وإلى من ترفع حاجتك
إذا ضاقت بك السبل؟
فإن كان أول ما يخطر في قلبك:
الله
فاعلم أن في قلبك خيرًا.
وإن كان غير ذلك،
فارجع.
فالطريق لم يُغلق.
والباب لم يُسد.
والرب هو الله.
بعض الناس
إذا أحببتهم
خذلوك.
وبعض الأبواب
إذا أتيتها
أغلقت.
وبعض الطرق
إذا مشيت فيها
أضلتك.
لكن الله…
إذا أتيته،
آواك.
وإذا دعوته،
سمعك.
وإذا رجوته،
أكرمك.
وإذا بكيت بين يديه،
علّم قلبك السكينة.
ربي الله ومعرفة اللجوء
لا تجعل الدنيا
أكبر من قلبك.
ولا تجعل الخلق
أكبر من يقينك.
ولا تجعل ذنبك
أكبر من رحمة الله.
ولا تجعل همك
أكبر من لطف الله.
ولا تجعل مستقبلك
أكبر من تدبير الله.
قل دائمًا:
ربي الله.
ثم امضِ
وأنت مطمئن
ولو كان الطريق طويلًا.
فلا يغرّها مدح.
ولا يكسرها ذم.
ولا يطوح بها خوف.
ولا تذيبها فتنة.
لأنها عرفت
أن المقصود الأعظم
هو الله.
ما أعظم الفرق
بين من يعرف الله
معرفة خبر،
وبين من يعرفه
معرفة لجوء.
الأول
قد يتكلم.
والثاني
يبكي.
الأول
قد يشرح.
والثاني
يطمئن.
الأول
قد يحفظ الكلام.
والثاني
إذا قال:
يا الله
اهتز قلبه
كأنه عاد إلى بيته
بعد تعب عمر.
من نقص الدنيا إلى كمال الله
هذه الدنيا
تعلّمنا كل يوم
أن كل شيء فيها ناقص.
الناس ناقصون.
الراحة ناقصة.
الأسباب ناقصة.
الأحلام ناقصة.
لكن الكمال كله
لله.
فإذا أوجعك نقص الدنيا،
فاهرب إلى كمال الله.
وإذا أتعبك تقلب البشر،
فاهرب إلى ثبات الله.
وإذا أخافك ضعفك،
فاهرب إلى قوة الله.
وإذا أرهقك فقرك،
فاهرب إلى غنى الله.
وإذا أظلمت نفسك،
فاهرب إلى نور الله.
تعلم أن تقول:
الله
وأنت صادق.
الله
وأنت محتاج.
فما أقرب الفرج
من قلبٍ عرف كيف ينادي:
يا الله.
لو أن الحروف
تستطيع أن تحمل
كل ما في القلب
من معنى هذا الاسم،
لما كفتها مجلدات.
لكن يكفي
أن نعلم
أن من كان الله معه
فلن يضيعه.
ومن كان بالله أعرف،
كان بالله أرجى.
ومن كان إلى الله أقرب،
كان من الدنيا
أهدأ قلبًا.
العبودية بلا أقنعة
ارجع إلى الله
كلما تعبت.
واشتكِ إلى الله
كلما ضقت.
وابكِ بين يدي الله
كلما امتلأت صدرك بما لا يقال.
ولا تخجل من ضعفك
أنت بين يديه.
فأجمل ما في العبودية
أنك تقف أمام الله
بلا أقنعة.
بلا ادعاء.
بلا تزييف.
فقط:
عبدٌ ضعيف،
وربٌ رحيم.
إذا سألك أحد:
من ربك؟
فلا تجعل الجواب
معلومة محفوظة فقط.
اجعلها حياة.
اجعلها يقينًا.
اجعلها نورًا.
اجعلها دمعة.
اجعلها سكونًا.
اجعلها سجدةً طويلة
يذوب فيها ما أثقل صدرك.
قلها كما ينبغي أن تُقال:
ربي الله.
ربي الله
إذا خفت.
وربي الله
إذا تعبت.
وربي الله
إذا أخطأت.
وربي الله
إذا ضاقت عليّ نفسي.
وربي الله
إذا تمنيت.
وربي الله
إذا انكسرت.
وربي الله
إذا أردت النجاة.
الاسم الذي ينتهي إليه الأمان
الله…
الاسم الذي تبدأ به الحكاية.
والاسم الذي ينتهي إليه الأمان.
والاسم الذي إذا حضر
صغر كل مخيف.
وهان كل عسير.
ولان كل قاسٍ في الروح.
وعرف القلب
إلى أين يعود.
فإذا تعبت من كل شيء،
فقل:
يا الله.
وإذا ضاقت بك الدنيا،
فقل:
يا الله.
وإذا وجدت في صدرك
كلامًا لا يقال،
فقل:
يا الله.
فرب كلمة
خرجت من قلبٍ موجوع:
يا الله
فتحت له أبواب رحمة
ما كان يظن أنها ستفتح.
دعاء القلب بمعرفة الله
يا الله،
يا من لك الأسماء الحسنى
والصفات العلى،
عرّف قلوبنا بك
حتى لا نضل.
وألهم أرواحنا حبك
حتى لا نستوحش.
واجعلنا بك أغنى،
ولك أخشع،
وعليك أصدق توكلًا.
اللهم لا تجعل في قلوبنا
تعلقًا يطغى على التعلق بك.
ولا خوفًا
ينسينا أنك معنا بعلمك ولطفك.
ولا حزنًا
يطفئ فينا نور الرجاء فيك.
اللهم إنا نسألك
قلبًا إذا قال:
يا الله
قالها يقينًا،
وقالها حبًا،
وقالها لجوءً،
وقالها صدقًا.
اللهم خذ بأيدينا إليك،
وردنا إليك ردًا جميلًا،
ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
ومضة الختام
من عرف الله…
عرف أن النجاة ليست في كثرة الأبواب،
بل في صدق الاتجاه إليه.
ومن قال:
يا الله
بقلبه قبل لسانه،
وجد في صدره
وطنًا من السكينة
لا يصنعه أحدٌ
إلا الله.
مساحة التعليق
اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.
0 تعليق هنا