رسالة أدبية إلى الأب الذي صنع الأمان بصمته، وطحن من عمره كل صباح ليمنح أبناءه خبزًا ودفئًا وطمأنينة.
يتدرج النص من عجز اللغة أمام تضحيات الأب، إلى تجاعيد السنين ويديه المتعبتين وظهره الذي انحنى لتستقيم قامات أبنائه.
حين تعجز اللغة أمام الأب
« رِسَالَةٌ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي يَبْكِي بِلاَ دُمُوع ! »
مَاذَا أَكْتُبُ لَكَ فِي يَوْمِكَ يَا سَيِّدِي؟
وَأَنَا الَّذِي أَفْرَغْتُ قَوَامِيسَ اللُّغَةِ غَزَلاً،
وَسَكَبْتُ أَبْجَدِيَّتِي فِي قَصَائِدِ العِشْقِ وَحِكَايَاتِ النِّسَاءِ..
لَكِنَّنِي حِينَ وَقَفْتُ أَمَامَ بَابِكَ، تَلَعْثَمَتْ كَلِمَاتِي،
وَسَقَطَتْ حُرُوفِي خَجَلاً أَمَامَ كِبْرِيَاءِ تَجَاعِيدِك!
القصيدة المكتوبة بعرق الجبين
أَنْتَ القَصِيدَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي كُتِبَتْ بِعَرَقِ الجَبِينِ،
لاَ بِحِبْرِ المَطَابِع،
وَأَنْتَ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقُلْ لِي يَوْماً "أُحِبُّكَ" بِلِسَانِهِ،
لَكِنَّهُ كَانَ يَطْحَنُ عُمْرَهُ كُلَّ صَبَاحٍ،
لِيَخْبِزَ لَنَا مِنْ شَبَابِهِ رَغِيفَ طُمَأْنِينَة!
يا أبي… حبك الصامت كجذور الشجر
يَا أَبِي..
نَحْنُ نَكْتُبُ عَنِ الأُمَّهَاتِ لأَنَّ حُبَّهُنَّ نَاطِقٌ،
وَبُكَاءَهُنَّ مَسْمُوع..
أَمَّا أَنْتَ..
يَا لَقَسْوَةِ مَا فَعَلْتَ بِنَفْسِكَ!
حُبُّكَ صَامِتٌ كَجُذُورِ الشَّجَرِ،
تَمْتَدُّ فِي أَعْمَاقِ التُّرَابِ وَتَأْكُلُ ظَلاَمَ الأَرْضِ،
لِنُزْهِرَ نَحْنُ فِي الأَعْلَى.
الأب الذي يبكي إلى الداخل
كُنْتَ تَبْكِي إِلَى الدَّاخِلِ..
كُنْتَ تَبْتَلِعُ مَرَارَةَ الأَيَّامِ،
وَغَصَّاتِ الدُّيُونِ،
وَإِهَانَاتِ الزَّمَنِ لَيْلاً..
لِتُخْرِجَهَا لَنَا صَبَاحاً رَغِيفَ خُبْزٍ،
وَمِعْطَفاً دَافِئاً،
وَابْتِسَامَةً تُشْعِرُنَا أَنَّ العَالَمَ بِخَيْر!
حملتني عمرًا بأكمله
أُمِّي حَمَلَتْنِي فِي بَطْنِهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ..
وَأَنْتَ حَمَلْتَنِي عَلَى ظَهْرِكَ..
وَفِي عَصَبِكَ..
وَفِي تَفْكِيرِكَ، عُمُراً بِأَكْمَلِه!
خرائط الوجه ووسادة الطفولة
أَتَأَمَّلُكَ اليَوْمَ وَقَدْ كَبِرْتَ..
أَقْرَأُ فِي خَرَائِطِ وَجْهِكَ
حِكَايَةَ فَزَعٍ خِفْتَهُ عَلَيْنَا فِي لَيَالِي المَرَض..
وَأَرَى فِي يَدَيْكَ الخَشِنَتَيْنِ المُتْعَبَتَيْنِ،
أَنْعَمَ وِسَادَةٍ غَفَوْتُ عَلَيْهَا فِي طُفُولَتِي!
تِلْكَ اليَدَانِ اللَّتَانِ
كُنْتُ أَهْرَبُ مِنْ قَسْوَتِهِمَا حِينَ تُؤَدِّبَانِنِي،
هُمَا ذَاتُ اليَدَيْنِ اللَّتَيْنِ
كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُمَا لِتَنْتَشِلَانِي حِينَ أَسْقُط!
ما أقسانا حين نكبر
رَبَّاهُ..
مَا أَقْسَانَا حِينَ نَكْبَر!
نَنْشَغِلُ بِمَعَارِكِنَا الصَّغِيرَةِ،
بِأَصْدِقَائِنَا وَطُمُوحَاتِنَا..
وَنَنْسَى أَنَّ ظَهْرَكَ الَّذِي كَانَ جِدَاراً نَسْتَنِدُ إِلَيْهِ،
بَدَأَ يَنْحَنِي قَلِيلاً لِتَسْتَقِيمَ قَامَاتُنَا!
وَأَنَّ صَوْتَكَ الَّذِي كَانَ يَرُجُّ أَرْكَانَ البَيْتِ مَهَابَةً،
خَالَطَتْهُ ارْتِعَاشَةٌ خَفِيَّة..
أَنَا أَكْبَرُ يَا أَبِي..
وَأَنْتَ تَذُوب!
أنا أزهر وأنت تتساقط أوراقك
أَنَا أُزْهِرُ..
وَأَنْتَ تَتَسَاقَطُ أَوْرَاقُكَ فِي صَمْتٍ لِتُصْبِحَ سَمَاداً لِجُذُورِي!
أمامك أعود طفلًا
صَدِّقْنِي يَا سَيِّدَ الرِّجَال..
مَهْمَا بَلَغْتُ مِنَ المَنَاصِبِ،
وَمَهْمَا طَالَتْ قَامَتِي..
بِمُجَرَّدِ أَنْ أَقِفَ أَمَامَكَ،
أَعُودُ ذَلِكَ الطِّفْلَ الَّذِي يُرْعِبُهُ العَالَمُ..
وَلاَ يُشْعِرُهُ بِالأَمَانِ الكَوْنِيِّ
إِلَّا مَنْظَرُ "حِذَائِكَ" المَرْكُونِ عِنْدَ عَتَبَةِ البَاب!
حِذَاؤُكَ يَا أَبِي..
هُوَ سَقْفُ بَيْتِنَا،
هُوَ الدِّرْعُ الَّذِي يَمْنَعُ وُحُوشَ الدُّنْيَا مِنِ افْتِرَاسِنَا.
هدية لا تساويها هدايا الدنيا
فِي يَوْمِكَ هَذَا..
لاَ أُرِيدُ أَنْ أُهْدِيَكَ رَبْطَةَ عُنُقٍ أَوْ زُجَاجَةَ عِطْرٍ..
الهَدَايَا المَادِّيَّةُ تَصَاغَرَتْ أَمَامَ حَذَّائِكَ المُلَطَّخِ بِتَعَبِ السِّنِين.
أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أَخْلَعَ شَبَابِي وَأُلْبِسَكَ إِيَّاه..
أُرِيدُ أَنْ أَقْتَطِعَ مِنْ نَبْضِ قَلْبِي
وَأَزْرَعَهُ فِي صَدْرِكَ المُنْهَك..
أُرِيدُ أَنْ أَصْرُخَ فِي وَجْهِ الزَّمَنِ:
"خُذْ مِنْ عُمُرِي وَأَعْطِهِ..
خُذْ مِنْ صِحَّتِي وَأَسْنِدْ بِهَا ظَهْرَهُ!"
كل عام وأنت أعظم حكاية حب
كُلُّ عَامٍ..
وَتَجَاعِيدُ وَجْهِكَ هِيَ خَرَائِطُ هِدَايَتِي..
كُلُّ عَامٍ..
وَأَنْتَ الجَبَلُ الَّذِي لَوْ مَالَ يَوْماً،
لاَنْكَسَرْتُ أَنَا إِلَى أَلْفِ قِطْعَةٍ لاَ تُجْبَر!
كُلُّ عَامٍ وَأَنْتَ أَعْظَمُ حِكَايَةِ حُبٍّ خَالِيَةٍ مِنَ الكَلِمَات،
وَأَصْدَقُ رَجُلٍ يَبْكِي بِلاَ دُمُوع..
وَيَحْتَضِنُنَا.. بِقَلْبٍ يَتَّسِعُ لِكُلِّ مَرَارَةِ الكَوْن!
مساحة التعليق
اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.
0 تعليق هنا