بوح أدبي عن أثر الكلمات والقسوة والإهمال في قلب المرأة، وعن التفاصيل الصغيرة التي قد تصنع الأمان أو تترك جرحًا طويلًا.
يتدرج النص من الكلمة والنظرة والصمت، إلى الخوف والحقوق والثقة وصلة الأهل، ثم يفتح باب الخير والرحمة والإصلاح.
جرح المرأة ومثقال الذرة
لا تظن أن جرح المرأة يضيع..
ولا أن دمعتها التي ابتلعتها وحدها
مرّت عند الله كأنها لا شيء.
ولا تظن أن الصمت الذي لبسته أمام الناس
كان عافيةً في قلبها،
فكثيرٌ من النساء يبتسمن لا لأنهن بخير،
بل لأنهن تعبن من شرح الوجع لمن لا يريد أن يفهم.
قال الله:
“فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره،
ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره”.
الكلمات والتفاصيل التي لا تبدو صغيرة
وهذه الآية ليست بعيدة عن البيوت..
ولا عن الكلام..
ولا عن الوعود..
ولا عن نظرةٍ قاسية ألقيتها على قلبٍ كان ينتظر منك رحمة.
مثقال الذرة ليس فقط مالًا سرقته،
ولا يدًا اعتدت،
ولا خيانةً ظاهرة،
بل قد يكون كلمةً خرجت منك بلا اهتمام
فسكنت في صدرها سنوات.
قد يكون رفع صوتٍ جعلها ترتجف.
قد يكون تجاهلًا في لحظة كانت تحتاج فيها أن تسمع:
أنا معك.
قد يكون نومك وهي تبكي بجانبك،
ثم استيقاظك كأن الليل لم يحدث،
وكأن دموعها لم تسقط،
وكأن قلبها لم يكن ينهار بصمتٍ على طرف المخدة.
الكلمة التي كسرت خاطرها مثقال ذرة..
والنظرة التي جعلتها تشعر أنها ناقصة مثقال ذرة..
والضحكة الساخرة على خوفها مثقال ذرة..
والاستهزاء بحزنها مثقال ذرة..
والكذبة الصغيرة التي ظننت أنها لا تستحق الاعتذار مثقال ذرة..
واللف والدوران حين تسألك بصدقٍ عن شيء يؤلمها مثقال ذرة..
وتحويلك الحديث عليها بدل أن تجيبها بوضوح مثقال ذرة..
وجعلها تشك في عقلها وإحساسها وقلبها مثقال ذرة.
قد تظن أنك انتصرت حين أسكتّها بالحجة،
أو أرهقتها بالإنكار،
أو جعلتها تتراجع عن سؤالها،
لكن لا تنسَ أن هناك ربًا يسمع ارتباك صوتها،
ويرى حيرتها،
ويعلم كيف كانت تقاوم رغبتها في البكاء
كي لا تظهر أمامك ضعيفة.
حين يتحول البيت من سكن إلى خوف
لا تستهن بالتفاصيل الصغيرة..
فهي ليست صغيرة عند من كُسر بها.
حين تدخل البيت عابسًا بلا سبب
فتبدأ هي تقيس خطواتها،
وتخفف صوتها،
وتراقب ملامحك،
وتؤجل طلبها،
وتخاف أن تسأل عن حقٍ بسيط،
فهذا خوفٌ لم يأتِ من فراغ.
وحين تتحول أنت من سكنٍ إلى مصدر توتر،
ومن أمانٍ إلى امتحانٍ يومي،
ومن كتفٍ تستند عليه إلى جدارٍ تخاف أن تصطدم به،
فلا تقل: هي حساسة.
بعض الحساسية ليست ضعفًا..
بعضها ذاكرة جرحٍ تكرر أكثر مما ينبغي.
لا تقل: أنا لم أفعل شيئًا كبيرًا.
فالكبير عند الله ليس دائمًا كما تراه أنت.
قد تكون التنهيدة التي خرجت منها بعد كلامك
أثقل من اعتذارك المتأخر.
وقد تكون رجفة يدها وهي تمسك كوب الماء
أبلغ من ألف شكوى لم تقلها.
وقد يكون سهرها الطويل بعد خلافٍ بارد
دينًا مؤجلًا في ميزانك.
هي لم تنم لأن قلبها ممتلئ.
وأنت نمت لأنك تعودت أن تنهي المعارك بالصمت.
لكن الله لا ينام.
الله يعلم كم مرة قلبت وجهها عنك حتى لا ترى دموعها.
وكم مرة كتمت شهقتها حتى لا توقظ الأطفال.
وكم مرة قالت: لا بأس،
وكل ما فيها كان يقول: لقد انكسرت.
رفع الصوت والتهديد والضرب
رفع الصوت مثقال ذرة..
والتهديد مثقال ذرة..
والتخويف مثقال ذرة..
والضرب، ولو مرة، ليس رجولةً ولا هيبةً ولا تأديبًا،
بل ظلمٌ يترك في الجسد أثرًا،
وفي الروح أثرًا أعمق.
قد يزول الاحمرار من اليد،
وقد تختفي الكدمة من الذراع،
لكن أين تذهب الكدمة التي بقيت في الأمان؟
أين تذهب اللحظة التي رأت فيها من يفترض أن يحميها
يتحول إلى سبب رعبها؟
أين يذهب قلبها حين يتعلم أن الحب قد يرفع يده؟
لا تخدع نفسك..
الوجع لا ينتهي بانتهاء المشهد.
والرعب لا يخرج من الذاكرة بمجرد أن تقول:
كنت غاضبًا.
الغضب لا يبرر الظلم،
والندم لا يبيض صفحةً لم تُصحح بحق.
أهلها وجذورها وصلة رحمها
ومن مثقال الذرة أيضًا
أن تمنعها من أهلها،
أو تجعل زيارتهم منّةً منك،
أو تعاقبها بصمتك إذا اشتاقت لأمها،
أو تضيّق عليها حين تريد أن تصل رحمها.
أهلها ليسوا خصومك.
وأمها ليست منافستك.
وأبوها ليس بابًا تهددها به.
إنها امرأة لها جذور،
ولها بيتٌ قديم،
ولها حضنٌ أول،
ولها ذاكرة قبل أن تعرفك.
فلا تجعل حبك سجنًا،
ولا تجعل الزواج قطيعةً،
ولا تجعلها تختار بينك وبين أهلها وكأنك تنتقم من قلبها.
إن من أقسى الظلم أن يعيش الإنسان في بيتٍ واحد
ويشعر أنه ممنوع من نصف روحه.
حقوقها وتعبها الذي لا يُرى
ومن مثقال الذرة
أن تمنعها من حقوقها..
حقها في الاحترام،
حقها في الكلام،
حقها في السؤال،
حقها في الراحة،
حقها في النفقة إن كانت واجبة،
حقها في العلاج،
حقها في أن تمرض دون أن تخاف من ثقلها عليك،
حقها في أن تقول: تعبت،
دون أن تسمع منك: أنتِ تبالغين.
ليست المرأة آلةً تدور حول البيت ثم تُلام إذا توقفت.
ليست جسدًا يحمل الأعباء بلا انحناء.
ليست قلبًا مفتوحًا طوال الوقت دون أن يحتاج إلى احتواء.
قد تمرض فتخفي وجعها كي لا تضجَر.
وقد تتعب فتبتسم كي لا تزيدك همًا.
وقد تنهار من الداخل ولا تطلب شيئًا
لأنها جرّبت أن تطلب مرةً فعادت مكسورة.
ثم تقول أنت: لا أدري لماذا تغيّرت.
تغيّرت لأنها دفعت ثمن الهدوء من قلبها.
تغيّرت لأنها كانت تنادي ولم تسمعها.
تغيّرت لأن المرأة حين تشعر أن وجعها لا يعني أحدًا
تتعلم أن تنسحب ببطء.
الاهتمام والاعتذار والرحمة
ومن مثقال الذرة
أن تهمل رسالتها،
أن تقرأ حزنها ولا تجيب،
أن تسمع صوتها مختلفًا ولا تسأل،
أن تراها شاردة ولا تقترب،
أن تعرف أنها تنتظر كلمةً منك
ثم تبخل بها كأن الحنان خسارة.
يا رجل..
ليست كل امرأة تريد الكثير.
بعض النساء يكفيها أن تشعر أنها ليست وحدها.
يكفيها أن ترى في عينيك اهتمامًا حقيقيًا.
يكفيها أن تعود من تعبها فتجد صدرًا لا محكمة.
يكفيها أن تقول لها:
أنا أعرف أنكِ تتعبين،
وأنا أراكِ،
وأنا ممتن لكِ.
هذه الكلمات عند امرأةٍ منهكة
قد تكون شفاءً أكبر من هديةٍ باهظة.
لكن بعض الرجال يظن أن العاطفة ضعف،
وأن الاعتذار كسر هيبة،
وأن اللين ينقص الرجولة.
وهو لا يعلم أن أقوى الرجال
من استطاع أن يكون رحيمًا وهو قادر،
لينًا وهو مهيب،
عادلاً وهو غاضب،
حنونًا وهو متعب.
الخوف والغيرة والصمت الأخير
ومن مثقال الذرة
أن تستهين بخوفها.
حين تسأل كثيرًا،
لا تسخر منها.
ربما هي لا تسأل لأنها تريد محاصرتك،
بل لأنها فقدت الطمأنينة.
وحين تغار،
لا تختصرها في قلة عقل.
ربما هي لا تغار لأنها تريد امتلاكك،
بل لأنها شعرت أن مكانها لم يعد آمنًا.
وحين تقلق،
لا تقل لها: أنتِ نكدية.
ربما قلبها يحاول أن ينجو من احتمالٍ مؤلم.
وحين تصمت،
لا تفرح بانتصارك.
الصمت أحيانًا ليس رضًا،
بل آخر بابٍ تغلقه المرأة قبل أن ترحل من الداخل.
قد تبقى في البيت،
وتقوم بواجباتها،
وتبتسم للضيوف،
وتسأل عن طعامك،
لكنها من الداخل قد تكون غادرتك منذ زمن،
لأنك لم تفهم أن القلوب لا تموت فجأة،
بل تموت من تكرار الخيبة.
الثقة والأسرار وأمانة القلب
ومن مثقال الذرة
أن تكذب ثم تطلب منها أن تثق.
أن تخون الصدق ثم تتهمها بالشك.
أن تخفي ثم تغضب من أسئلتها.
أن تجعلها تجمع الأدلة على وجعها
كأن إحساسها لا يكفي.
المرأة حين تطمئن لك
تعطيك من روحها ما لا تعطيه لأحد.
تفتح لك باب ضعفها،
وتريك طفلتها الخائفة،
وتخبرك بما يوجعها،
وتنزع أمامك دروعها.
فإن استغللت ضعفها،
أو عايرتها بما باحت لك،
أو استخدمت أسرارها وقت الخصام،
فقد خنت أمانةً لا تُقاس بالمال.
بعض الأسرار إذا استُخدمت سلاحًا
قتلت في الإنسان قدرته على الثقة مرةً أخرى.
تذكر أن المرأة التي أمامك
قد تكون أمًا لأطفالك،
أو زوجةً شاركتك العمر،
أو حبيبةً صدّقت وعدك،
أو أختًا تحت وصايتك،
أو ابنةً تنتظر منك حنانًا.
كل واحدة منهن أمانة.
والأمانة لا تُحمل بالقسوة.
المرأة لا تحتاج رجلًا كاملًا،
ولا ملاكًا لا يخطئ،
ولا شاعرًا يكتب لها كل مساء.
هي تحتاج رجلًا إذا أخطأ اعترف،
وإذا غضب اتقى الله،
وإذا ضاقت عليه الدنيا لم يجعلها هي الضحية،
وإذا رآها تنكسر اقترب منها لا ابتعد،
وإذا سمع تنهيدتها فهم أن خلفها قصة،
وإذا رأى دمعتها علم أن الله يراها قبله.
اتقوا الله في النساء ومثقال الخير
فاتقوا الله في النساء..
اتقوا الله في القلوب التي اطمأنت لكم.
اتقوا الله في دمعةٍ لم ترها أمها،
وفي تنهيدةٍ لم يسمعها أحد،
وفي خوفٍ تخفيه خلف ترتيب البيت،
وفي قلقٍ يتنكر على هيئة أسئلة كثيرة،
وفي مرضٍ تكتمه حتى لا تُتهم بالدلال،
وفي سهرٍ طويلٍ لا يعرفه إلا الله.
اتقوا الله في امرأةٍ جعلتكم أهلها حين ابتعدت عن أهلها،
وجعلت بيتكم وطنًا،
وجعلت اسمكم أمانًا،
ثم وجدَت نفسها وحيدةً في مكانٍ كان ينبغي أن يكون أرحم مكان.
واعلم..
أن مثقال الذرة لا يضيع.
كما أن الشر لا يضيع،
فالخير أيضًا لا يضيع.
الكلمة الطيبة مثقال ذرة.
الاعتذار الصادق مثقال ذرة.
مسح دمعتها مثقال ذرة.
احترام خوفها مثقال ذرة.
الجلوس بجانبها وقت مرضها مثقال ذرة.
تركها تزور أهلها بطيب نفس مثقال ذرة.
أن تخفض صوتك حين تقدر أن ترفعه مثقال ذرة.
أن تصون ضعفها ولا تفضحه مثقال ذرة.
أن تجعلها تنام آمنةً لا مرتجفة مثقال ذرة.
أن تقول لها في لحظة تعب:
أنا هنا،
مثقال ذرة من خير
قد تراه عند الله نورًا يوم تحتاج إلى النور.
بين الذرة والذرة تُبنى البيوت
فلا تستهِن..
لا بجرحٍ صغير،
ولا بكلمةٍ عابرة،
ولا بصمتٍ طويل،
ولا بنظرةٍ أطفأت روحًا،
ولا بيدٍ ارتفعت،
ولا بحقٍ مُنع،
ولا بقلبٍ تُرك وحده.
كل شيء محسوب.
كل شيء مكتوب.
والله أعدل من أن ينسى امرأةً كُسرت وهي تستحي أن تشتكي،
وأرحم من أن يترك دمعةً سقطت في الظلام
دون أن يراها.
فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره..
ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره.
وبين الذرة والذرة
تُبنى البيوت..
أو تنهدم القلوب.
مساحة التعليق
اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.
0 تعليق هنا