رسالة أدبية إلى امرأة لم تمر في القلب مرورًا عابرًا، بل سكنت فيه وصارت أقرب من النبض وأعمق من الذاكرة.
يتدرج النص من ترقّب كلماتها وفهم خوفها وصمتها، إلى ندرة روحها وانتظار عودتها وترك ضوءٍ لها يدلها على الطريق.
امرأة لا تمر بل تسكن
أكتبُ إليكِ وكأنني أفتح بابًا في صدري،
لا ليدخل منه الهواء،
بل لتخرجي منه أنتِ،
فقد امتلأ قلبي بكِ
إلى الحدّ الذي لم يعد يعرف كيف يخفيكِ،
وامتلأت روحي باسمكِ
إلى الحدّ الذي صار حضوركِ فيها أعمق من الذاكرة،
وأقرب من النبض،
وأحنّ من كل شيءٍ حاول أن يواسيني بعدكِ.
أتعلمين؟
هناك نساءٌ يمررن في الحياة كالعطر،
جميلات، ناعمات، لطيفات،
لكنهن يذهبن كما يذهب العطر من طرف الثوب،
أما أنتِ فلا تمرّين،
أنتِ تسكنين.
أنتِ لا تشبهين مرورًا عابرًا في يومٍ مزدحم،
ولا حديثًا جميلًا ينتهي بانتهاء السطر،
أنتِ شيءٌ إذا دخل القلب غيّر ترتيب الأشياء فيه،
كأن الروح قبل أن تعرفكِ كانت بيتًا بلا نافذة،
فلما جئتِ،
دخل الضوء،
وتعلّم القلب كيف يرى.
ترقّب كلماتها وانتظار عودتها
كم أترقّب كلماتكِ يا عزيزة الروح..
أترقّبها كما يترقّب الظمآن أول قطرة ماء،
وكما يترقّب الليلُ نافذةً تضيء فجأة،
وكما يترقّب القلبُ دعاءً يعرف أنه سيصل إلى السماء.
كلماتكِ ليست حروفًا بالنسبة لي،
إنها حضوركِ حين لا تأتين،
إنها يدكِ حين لا تلمسين،
إنها صوتكِ حين يصعب عليّ سماعكِ،
إنها الطريقة الوحيدة
التي أطمئن بها أن بيني وبينكِ خيطًا لم ينقطع،
وأنكِ ما زلتِ هناك،
في مكانٍ ما،
تفكرين،
تشتاقين،
تقاومين،
وتحاولين أن تبدين أقوى مما أنتِ عليه.
كم أنتظركِ..
وأنا رجلٌ لا يحب الانتظار عادةً،
لكنني معكِ تعلّمت أن الانتظار ليس دائمًا ضعفًا،
أحيانًا يكون وفاءً،
وأحيانًا يكون إيمانًا بأن بعض الأرواح تستحق أن نمنحها وقتًا لتعود،
حتى لو تأخرت،
حتى لو ترددت،
حتى لو اختبأت خلف خوفها،
حتى لو قالت لنفسها: لا أستطيع.
حين يصبح البعد خوفًا متخفيًا
أنا أعرفكِ أكثر مما تظنين،
وأعرف أن ابتعادكِ لم يكن برودًا،
ولا نسيانًا،
ولا قسوةً كاملة،
بل كان خوفًا متخفيًا في ثوب قرار.
أعرف أنكِ غبية حين ظننتِ أن البعد سينقذكِ مني،
ويا لغرابة الأمر..
كيف تهرب امرأةٌ من حبٍّ كان يريد أن يكون بيتها؟
كيف تبتعد عن قلبٍ كان لا يريد منها شيئًا إلا أن تكون بخير؟
كيف تخاف من رجلٍ لم يكن يريد أن يمتلكها،
بل أن يطمئن عليها،
أن يسمع صوتها،
أن يراها تضحك،
أن يعرف أنها ما زالت قادرة على الحياة دون أن تتظاهر بالقوة؟
نعم، كنتِ غبية يا عزيزة الروح،
لكنني لا أقولها قسوةً عليكِ،
أقولها بحنان رجلٍ يعرف أن بعض النساء
حين يحببن بصدق يخَفن من عمق الشعور،
يخفن من أن يصبحن مكشوفات،
من أن يفقدن السيطرة على قلوبهن،
من أن يعترفن بأن هناك شخصًا واحدًا
صار قادرًا على تحريك كل ما فيهن بكلمة.
أعرف أنكِ تشتاقين..
لا تخدعيني بصمتكِ.
أعرف أن في داخلكِ موجًا يعود إليّ كلما هدأتِ وحدكِ،
وأعرف أن اسمًا ما يلمع في بالكِ حين تظنين أنكِ تجاوزتِ،
وأعرف أن شيئًا فيكِ لا يزال يلتفت نحوي،
ولو أنكِ تخفين ذلك عن الناس،
وعني،
وربما عن نفسكِ.
القلوب يا عزيزة الروح لا تكذب كما تكذب الألسنة،
والشوق لا يموت لمجرد أننا قررنا أن نتصرف بعقلانية.
أنتِ تعرفين أن بيننا شيئًا لا يشرح بسهولة،
شيئًا لا يشبه البداية العادية،
ولا الكلمات العابرة،
ولا العلاقات التي تولد وتموت لأنها لم تجد ما يكفي من الصدق لتعيش.
بيننا شيءٌ أعمق من الاعتراف،
وأصدق من العتاب،
وأوجع من الغياب.
حديثها في التفاصيل الصغيرة
كم أود أن أحادثكِ..
أن أقول لكِ كل ما تراكم في صدري منذ ابتعدتِ،
أن أخبركِ أنني لم أملّ منكِ،
ولن أملّ،
وأن حديثكِ لا يستهلكني بل يحييني،
وأن صوتكِ لا يمرّ على يومي كأي صوت،
بل يعلّق في روحي مثل آية طمأنينة.
أريد أن أحدثكِ عن أشياء صغيرة جدًا،
عن صباحٍ مرّ ولم تكوني فيه،
عن مساءٍ طويلٍ جعلني أفتقدكِ أكثر،
عن لحظةٍ رأيت فيها شيئًا جميلاً
فتمنيت لو أنكِ معي لأقول: هذا يشبهكِ،
عن كلمةٍ قرأتها فقلت: هذه لها،
عن أغنيةٍ مرت فوجدتُ قلبي يفتح بابًا قديمًا نحوكِ،
عن كل التفاصيل التي يظنها الناس عادية،
لكنها معي تصبح شاهدةً عليكِ،
وعلى مكانكِ الذي لم يأخذه أحد.
يا عزيزة الروح..
أنتِ لا تملئين قلبي فقط،
أنتِ تملئين جوارحي.
في عينيّ لكِ مكان،
وفي سمعي لكِ أثر،
وفي صدري لكِ بيت،
وفي دمي لكِ طريق،
وفي صمتي لكِ اعتراف.
أشعر بكِ في الأشياء التي لا تُلمس،
في التنهيدة التي تخرج بلا سبب،
في الشرود الذي يأخذني وسط الزحام،
في تلك اللحظة التي أبتسم فيها وحدي لأن طيفكِ مرّ،
ثم أعود فجأةً إلى الوجع لأن الطيف ليس أنتِ.
روح لا تتكرر وألماسة تُصان
أريدكِ أن تعلمي أنكِ شيءٌ لا يتكرر،
ليس لأنني أقول ذلك مجاملةً،
ولا لأن العاطفة تجعلني أبالغ،
بل لأنني رأيت النساء،
وقرأت الوجوه،
وعرفت أن الجمال قد يتشابه أحيانًا،
واللطف قد يتكرر،
والحديث العذب قد نجده عند كثيرين،
لكن الروح..
الروح لا تتكرر.
وأنتِ روحكِ مختلفة.
فيكِ شيءٌ لا يستطيع أحد أن يتصنّعه،
شيءٌ يشبه النقاء حين يكبر دون أن يفقد براءته،
ويشبه الأنوثة حين تكون عميقة لا مستعرضة،
ويشبه الحنان حين لا يحتاج أن يثبت نفسه بالكلام الكثير.
أراكِ كالألماسة،
لا لأنها تلمع فقط،
بل لأنها نادرة،
قاسية على من لا يعرف قيمتها،
رقيقة في عين من يعرف كيف ينظر إليها،
غالية لا تُشترى بالرغبة،
ولا تُنال بالإعجاب،
ولا تستحقها الأيدي العابرة.
الألماسة لا تمنح نفسها لمن يراها جميلة فقط،
بل لمن يعرف تاريخ الضوء فيها،
لمن يصبر على بريقها،
لمن يحترم ندرتها،
لمن يفهم أن بعض الأشياء الثمينة لا تُمتلك،
بل تُصان.
وأنتِ كذلك..
لا يستطيع أحد أن يحصل عليكِ لمجرد أنه أرادكِ،
ولا يستطيع أحد أن يقترب من روحكِ لمجرد أنه مدّ يده،
أنتِ تحتاجين قلبًا يعرف كيف يقدّر،
وعينًا لا تشتهي فقط بل تفهم،
ورجلاً لا يبهركِ بكلماته،
بل يطمئنكِ بثباته.
حب صادق يفهم الخوف ولا يبرر الهروب
وأنا يا عزيزة الروح،
لا أزعم أنني كامل،
ولا أنني بلا أخطاء،
ولا أنني رجلٌ لا يتعب ولا يضعف،
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
أنني حين أحببتكِ،
لم أحبكِ بعابثية،
ولم أراكِ مجرد احتمالٍ جميل،
بل رأيتكِ كأنكِ قدرٌ جاء متأخرًا،
لكنه جاء في الموعد الذي يحتاجه قلبي تمامًا.
رأيتكِ كامرأةٍ
تستطيع أن تجعل الرجل الواقف طويلًا يرتبك،
وأن تجعل القلب الذي اعتاد الصمت يتكلم،
وأن تجعل الروح التي تعبت من الطرق تشعر أن هناك وجهةً تستحق.
تبتعدين..
وأنا أفهم خوفكِ،
لكنني لا أوافقه.
تغيبين..
وأنا أصدق وجعكِ،
لكنني لا أبرر هروبكِ.
تصمتين..
وأنا أقرأ صمتكِ،
لكنني أتألم من قسوته.
أعرف أنكِ لستِ باردة،
وأعرف أن قلبكِ لا يملك تلك القسوة التي تحاولين ارتداءها،
وأعرف أن في داخلكِ امرأةً تود لو تعود،
لكنها تخاف أن تعود فيغلبها الشعور،
وتخاف أن تقترب فتفقد قدرتها على الرحيل مرةً أخرى.
أعرف أنكِ تفكرين بي،
وأعرف أنني لستُ خارجكِ كما تحاولين أن تظهري،
وأعرف أن هناك لحظاتٍ تهزمكِ فيها الذاكرة،
فتبحثين عني دون أن تعترفي،
وتشتاقين دون أن ترسلي،
وتبكين ربما دون أن يعرف أحد سبب هذا الانكسار المفاجئ.
قلب ينتظر دون أن يفقد كرامته
يا عزيزة الروح..
أنا لا أطلب منكِ أن تعودي لأنني عاجزٌ عن الحياة دونكِ،
فالإنسان يعيش رغم كل شيء،
لكن هناك فرقًا بين أن يعيش الإنسان،
وأن يكون حيًا من الداخل.
أنا أعيش،
لكن قلبي ينتظركِ.
أضحك،
لكن في ضحكتي مكانٌ فارغ لكِ.
أنشغل،
لكنني لا أنجو تمامًا من حضوركِ.
أنام،
لكن الشوق يعرف كيف يوقظني من جهةٍ لا أفهمها.
وأنا لا أريد امرأةً بديلة،
ولا حضورًا يشبه حضوركِ،
ولا قلبًا يملأ مكانكِ،
لأن مكانكِ ليس كرسيًا شاغرًا في الروح،
مكانكِ بصمة،
والبصمات لا تتكرر.
سأنتظركِ..
ليس انتظار الرجل المهان،
ولا انتظار من لا يملك كرامته،
بل انتظار من يعرف أن بعض النساء يستحقن فرصةً ليعودن من خوفهن.
سأنتظركِ لأنني أعرف أن الهروب لا يليق بكِ،
وأن الصمت لا يشبه قلبكِ،
وأن الغياب ليس صورتكِ الحقيقية.
سأنتظركِ لأنني رأيت فيكِ ما لم أره في غيركِ،
ولأنني حين قلت لكِ في قلبي: عزيزة الروح،
لم يكن ذلك لقبًا جميلًا فقط،
بل كان اعترافًا بأنكِ صرتِ عزيزةً على الجزء الذي لا يراه أحدٌ مني.
تعالي كما أنتِ
تعالي حين تستطيعين..
تعالي بلا تبريرات كثيرة،
فأنا أفهم أكثر مما تتوقعين.
تعالي كما أنتِ،
بخوفكِ،
بترددكِ،
بشوقكِ الذي تخفينه،
بدمعتكِ التي لا تريدين أن يراها أحد،
تعالي وسأكون أحنّ من العتاب،
وأصدق من الأسئلة،
وأوسع من لحظة الغياب.
لا أعدكِ أنني لن أتألم مما كان،
لكنني أعدكِ أنني سأسمعكِ بقلبٍ يعرف قيمة الرجوع.
ولا أعدكِ أنني نسيت وجع ابتعادكِ،
لكنني أعدكِ أن حبكِ في داخلي كان أعمق من أن يهدمه الخوف.
أنا هنا وأترك لك في قلبي ضوءًا
يا عزيزة الروح..
أنا هنا.
وما أصعب هذه الجملة حين يقولها رجلٌ بصدق.
أنا هنا..
أنتظر مروركِ،
كلمةً منكِ،
ظلًا منكِ،
سلامًا صغيرًا يعيد ترتيب هذا الخراب الهادئ في صدري.
أنا هنا..
لا أطرق بابكِ بعنف،
ولا أطالبكِ بما لا تقدرين عليه،
لكنني أترك لكِ في قلبي ضوءًا لا ينطفئ،
كي إذا تعبتِ من الظلام،
عرفتِ الطريق.
أنا هنا..
أحبكِ بما يكفي لأشتاق،
وأشتاقكِ بما يكفي لأصبر،
وأصبر بما يكفي لأبقى،
حتى تعودي،
أو حتى يعلم قلبي أخيرًا
أن بعض الانتظار قدرٌ لا نختاره،
لكنه يكشف لنا
كم كان الحب صادقًا.
مساحة التعليق
اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.
0 تعليق هنا