نثر عاطفي عن لوعة الاشتياق وحرارته ولهفة انتظار من نحب، حين يبقى القلب عالقًا عند آخر لقاء، وتتحول تفاصيل الحياة إلى طرق خفية تعيدنا إليه.
كلمة صغيرة تحمل كل هذا الحريق
أشتاقك…
ولا أعرف كيف يمكن لهذه الكلمة الصغيرة
أن تحمل كل هذا الحريق،
وكل هذا الضيق،
وكل هذا القلب الذي يبحث عنك
في الطرقات،
وفي الأصوات،
وفي المسافات التي لا تجيد إلا التفريق.
أشتاقك…
كما يشتاق المساء إلى نافذة مضاءة،
وكما يشتاق الشتاء إلى يد دافئة،
وكما يشتاق الدعاء إلى كلمة آمين
ترد إليه الطمأنينة بعد طول الأنين.
أفتقدك بطريقة لا تشبه الغياب،
بل تشبه أن يغيب عن القلب قلبه،
وأن يفقد الكتاب أجمل أبوابه،
وأن يعود المسافر إلى مدينته
فلا يجد فيها بيته،
ولا شرفته،
ولا ذلك الضوء الذي كان يهديه إلى الصواب.
منذ غبت: حياة تؤدى ولا تعاش
منذ غبت،
وأنا أمارس الحياة كما يمارس الغريب عاداته:
أستيقظ،
أبتسم،
أتحدث،
أصافح الناس،
وأبدو بخير…
لكن شيئا في داخلي
يجلس وحيدا عند آخر لقاء بيننا،
ويرفض أن يغادر.
أفتقد صوتك،
ليس لأنه صوت جميل فحسب،
بل لأنه كان يعرف كيف يدخل إلى قلبي
دون أن يطرق الباب،
وكيف يهدئ فوضاي
دون سؤال أو عتاب.
أفتقد ضحكتك،
تلك التي كانت تغيّر ملامح يومي،
وتجعل العالم أقل قسوة،
والطريق أقل وحشة،
والعمر أكثر قابلية للحب والحياة.
أفتقدك في تفاصيل لا تعرفينها:
حين يبرد فنجان قهوتي،
حين تمر أغنية تشبهك،
حين يهطل المطر فجأة،
حين يطول المساء،
وحين يضع الليل رأسه على نافذتي
ويسألني عنك…
فلا أجيبه،
لأنني أخشى أن يسمع الليل ارتجاف اسمي
حين أقول اسمك.
حرارة رجل يحاول أن يبدو هادئًا
أشتاقك بحرارة رجل
يحاول أن يبدو هادئا،
بينما في صدره مدينة تحترق،
وبحر يعلو،
وبرق لا يهدأ،
وقلب كلما أقنعه العقل بالنسيان
عاد إليك بشوق أكبر،
ولهفة أكثر،
وجنون لا يعرف كيف يفترق.
أشتاقك حتى أشعر
أن المسافة بيني وبينك
ليست طريقا يمكن قطعه،
بل عمر كامل من الانتظار،
وأن غيابك ليس مجرد أيام تمر،
بل أبواب تغلق،
ونوافذ تنطفئ،
وأحلام تقف حافية
على أرصفة الانكسار.
كم أفتقدك…
أفتقدك أكثر مما يليق بكبريائي،
وأكثر مما تسمح به قدرتي على الاحتمال،
وأكثر مما تستطيع الكلمات أن تعترف،
وأكثر مما يستطيع الصمت أن يخفي
من الشوق والارتجاف.
أفتقدك حين أكون وحيدا،
وأفتقدك أكثر حين أكون بين الناس،
لأن الزحام من دونك
ليس إلا وحدة ترتدي أصواتا كثيرة،
ولأن كل الوجوه تصبح عابرة
حين لا يكون وجهك بينها.
حين يصبح الحديث القديم نافذة نجاة
أحيانا أفتح حديثنا القديم،
لا لأقرأ الكلمات،
بل لألمس الزمن الذي كنت فيه قريبة،
أتوقف عند آخر رسالة،
وأتساءل:
هل كانت يداك تعرفان
أنهما حين كتبتا تلك الكلمات
ستتركان رجلا يعود إليها كل ليلة،
كأنها آخر نافذة له على النجاة؟
وأحيانا أتخيل أنك هنا،
تجلسين بقربي،
فأرتب لك الكلام،
وأختار لك الاعترافات،
وأعد لك عتابا طويلا…
لكنني حين أتخيل عينيك
أنسى العتاب،
وأنسى الغياب،
ولا يبقى في داخلي
إلا رجل يريد أن يقول لك:
لقد افتقدتك أكثر مما ينبغي،
وأحببتك أكثر مما أعترف،
وانتظرتك أكثر مما يحتمل العمر.
يا أنت…
يا امرأة تركت في قلبي عطرا
لا تبدده الرياح،
وتركت في روحي نافذة
لا يغلقها المساء،
وتركت في ذاكرتي موسيقى
كلما حاولت نسيانها
بدأت من جديد.
لوعة الاشتياق: غياب في العين وحضور في كل شيء
أتعلمين ما لوعة الاشتياق؟
أن تكوني غائبة عن عيني
وحاضرة في كل ما أرى،
أن يكون بيننا صمت طويل
ومع ذلك أسمعك في كل شيء،
أن أحاول الهرب منك
فأكتشف أن الطرق كلها تؤدي إليك،
وأنني كلما ابتعدت خطوة
اقترب منك قلبي ألف خطوة.
لهفة الاشتياق وانتظار رسالة واحدة
وأتعلمين ما لهفة الاشتياق؟
أن أنتظر رسالة منك
كما ينتظر العطشان غيمة،
وأن أسمع إشعار هاتفي
فيقفز قلبي قبل يدي،
ثم يهدأ حزينا
حين لا يكون اسمك.
وأن أقول لنفسي:
لن أنتظرها بعد اليوم…
ثم أقضي اليوم كله
أنتظرها.
حين أشتاق إلى نفسي التي كانت معك
أنا لا أشتاق إلى حضورك فقط،
بل أشتاق إلى نفسي حين كنت معك،
إلى ذلك الرجل الذي كان أكثر ضوءا،
وأقل خوفا،
وأكثر تصالحا مع العالم.
كنت تجعلينني أشعر
أن الحياة ليست معركة دائمة،
وأن القلب يمكنه أن ينام مطمئنا،
وأن الحب ليس ضعفا…
بل وطن كامل
يسكن بين ذراعين.
لهذا يؤلمني غيابك،
لأنك لم تأخذي حضورك وحده،
بل أخذت معك النسخة الأجمل مني،
وتركتني أحاول أن أتعرف
إلى رجل يشبهني
ولا يعرف كيف يعيش من دونك.
عودي: فالحياة من دونك تستمر ولا تزهر
فعودي…
لا لأنني عاجز عن الحياة في غيابك،
فأنا أعيش،
وأتنفس،
وتمضي أيامي ككل الأيام…
لكن عودي لأن الحياة من دونك
تستمر ولا تزهر،
تمضي ولا تصل،
وتنبض ولا تشعر.
عودي،
فقد تعبت المسافات من حمل اشتياقي،
وتعب المساء من سماع اعترافي،
وتعب قلبي من الوقوف على بابك
كطفل أضاع طريق الرجوع.
عودي…
فأنا منذ رحلت
لا أبحث عن امرأة تشبهك،
ولا عن حب ينسيني حبك،
أنا أبحث عني…
عن قلبي الذي نسيته لديك،
وعن عمري الذي توقف عند عينيك،
وعن حياة كانت تحدث حقا
حين كنت فيها.
مساحة التعليق
اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.
0 تعليق هنا