نص أدبي عاطفي يقترب من قلب المرأة حين تتحمل ما لا يقال، وتؤجل انهيارها كي يبقى أطفالها مطمئنين، ثم يذكّرها بأن قوتها لا تعني قبول الإهانة، وأن الحب والكرامة والأمان حقوق لا تلغيها الأمومة ولا الصبر.
قوة لا يراها أحد
يا قوَّ قلب الأنثى
حين تتحمّل ما لا يُقال،
وتبتسم أمام أطفالها كأن شيئًا لم يحدث،
بينما في صدرها بيتٌ كامل ينهار بصمت.
يا قوَّ قلبها حين تسمع ما يكسرها،
ثم تبتلع دمعتها لأن طفلًا يناديها من الغرفة الأخرى.
يا قوَّ قلبها حين تُهان،
ولا تردّ لا لأنها عاجزة،
بل لأنها تعرف أن كلمةً منها قد تشعل بيتًا كاملًا،
وأن صمتها أحيانًا ليس ضعفًا،
بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقّى من العائلة.
أيُّ قلبٍ هذا الذي تحمله المرأة؟
أيُّ صدرٍ يتّسع للخوف والخذلان والتعب والانتظار والأمومة،
ثم يجد متّسعًا في آخر الليل
ليدعو لمن كسرها؟
الرجل أحيانًا لا يعرف ماذا يفعل حين يؤذي امرأةً تحبه.
يظن أن رفع صوته مرّ وانتهى،
وأن قسوته لحظة غضب،
وأن إهماله شيء عادي،
وأنها ستنسى لأنها أم،
وأنها ستبقى لأنها لا تريد خراب البيت.
لكنه لا يعلم أن المرأة لا تنسى الإهانة،
بل تؤجل انهيارها.
لا تنسى القسوة،
بل تغطيها بثوبٍ مرتب،
وطعامٍ ساخن،
وابتسامةٍ ناقصة،
ويدٍ تمسح على رؤوس الأطفال كأنها تمسح على قلبها هي.
حين تصير هي حضن الجميع
يا قو قلبها..
حين تكون بأمسّ الحاجة لمن يقول لها:
تعبتِ كثيرًا،
تعالي أضمّكِ.
فتجد نفسها هي التي تضم الجميع.
حين تحتاج يدًا تربّت على خوفها،
فتصير هي اليد التي تربّت على خوف أطفالها.
حين تحتاج كلمةً ناعمة،
فتصبح هي مصدر الكلمات الناعمة في بيتٍ يبخل عليها بالحنان.
حين تحتاج رجلًا يحفظ أنوثتها،
يقدرها،
يحترمها،
يقدّس خوفها،
ويعاملها كأنها أمانة من الله،
فتجد نفسها أمام رجلٍ يظن أن وجودها مضمون،
وأن صبرها واجب،
وأن قلبها لا يتعب.
الطفلة التي لا تكبر داخلها
يا الله..
كم في النساء من معجزات لا يراها أحد.
تكبر المرأة في العمر،
لكن في داخلها طفلة صغيرة
ما زالت تنتظر من يقول لها:
لا تخافي،
أنا معكِ.
ما زالت تريد حضنًا لا يطالبها بالقوة.
ما زالت تريد من يمدح جمالها ولو شابَ الوقت في شعرها.
ما زالت تريد كلمةً تجعلها تشعر أنها مرغوبة،
لا مجرد أمٍّ مسؤولة،
ولا جسدٍ حاضر،
ولا امرأةٍ تُطلب منها الواجبات ولا تُمنح العاطفة.
مهما كبرت المرأة،
يبقى في داخلها ركنٌ صغير
يجلس فيه قلب طفلة،
تخاف من الصوت العالي،
وتفرح بالاهتمام البسيط،
وتنطفئ حين تُقارن،
وتنكسر حين تُهمل،
وتزهر حين تسمع:
أنتِ تكفيني.
لكن بعض الرجال لا يعرفون أن المرأة لا تموت دفعةً واحدة.
تموت حين يُرفع الصوت عليها مرة.
ثم تموت أكثر حين تُهان أمام طفلها.
ثم تموت أكثر حين تبكي ولا يلتفت أحد.
ثم تموت أكثر حين تطلب حقها فيُقال لها: أنتِ تبالغين.
ثم تموت أكثر حين تكتشف أن قلبها الذي كان يريد الحب،
صار يطلب فقط ألا يُجرح.
ومع ذلك..
تنهض.
تغسل وجهها.
ترتب البيت.
توقظ الأطفال.
تحضّر لهم الحياة،
وهي من الداخل لا تجد من يحضّر لها الطمأنينة.
حين تصمت لتحمي البيت وأطفالها
يا قو قلبها..
حين تدعس على وجعها كي لا يدوس الزمن على أطفالها.
حين تختار أن تبقى لا لأنها راضية عن الأذى،
بل لأنها تخاف أن يتشظى البيت فوق رؤوس الصغار.
حين تقول لنفسها:
سأصبر قليلًا بعد،
ربما يتغير،
ربما يفهم،
ربما يلين،
ربما يرى ما أفعل.
وتمر الأيام،
وتكبر التنازلات،
ويكبر معها وجعٌ لا يعرفه إلا الله.
إنها لا تتنازل لأنها ضعيفة،
بل لأنها تحاول أن تمنع السفينة من الغرق.
تشدّ الحبال وحدها،
وترقع الشراع وحدها،
وتخفي ثقوب المركب عن الأطفال،
وتقول لهم:
كل شيء بخير.
بينما الحقيقة أن كل شيءٍ فيها يطلب النجاة.
بين جوع القلب وحراسة القيم
يا أيتها الأنثى القوية بقلبها..
كم كابرتِ؟
كم قلتِ: لا بأس،
وأنتِ تعرفين أن البأس كلّه في صدرك؟
كم ضحكتِ أمام الناس،
ثم عدتِ إلى غرفتكِ كأنكِ تخلعين قناعًا ثقيلاً؟
كم ناموا حولكِ مطمئنين،
وبقيتِ أنتِ وحدكِ تعدّين خيباتكِ على سقف الليل؟
كم مرة تمنيتِ أن يسألكِ أحد:
هل أنتِ بخير حقًا؟
لا كعادة السؤال،
بل كمن يريد أن يسمع الانكسار من أوله إلى آخره.
كم مرة احتجتِ رجلًا لا يناقشكِ في ألمكِ،
ولا يحاكم دمعتكِ،
ولا يقول لكِ: أنتِ حساسة،
بل يقترب منكِ ويقول:
أنا آسف،
كان يجب أن أكون أحنّ.
ثم تأتي الحياة بقسوتها الأكبر..
قد تجدين اهتمامًا من رجلٍ غريب.
كلمةً ناعمة من بعيد.
عينًا ترى تعبكِ.
روحًا تسمعكِ دون أن تجرحكِ.
فتشعرين للحظة أنكِ ما زلتِ امرأة،
ما زلتِ مرغوبة،
ما زلتِ تستحقين أن تُسمعي،
أن تُفهَمي،
أن تُحتوَي.
ثم ترتجفين من نفسكِ،
وتبتعدين.
لا لأنكِ لا تحتاجين الحب،
بل لأنكِ تخافين على بيتكِ من جوع قلبكِ.
تغلقين الباب على ذلك الشعور،
وتقولين لقلبكِ:
اصبر،
ليس كل دفءٍ يجوز الاقتراب منه.
يا لقوتكِ..
حتى حين يجيئكِ ما تحتاجينه،
تدفعينه بعيدًا كي لا تخوني قيمكِ،
وكي لا تهدمي ما بقي واقفًا،
وكي لا تصيري أنتِ سببًا في حريقٍ جديد.
أيُّ امرأةٍ أنتِ؟
تتألمين من قسوة رجلٍ في حياتكِ،
ثم تحرسين نفسكِ من لطف رجلٍ آخر،
كي لا تفسدي بيتًا لم يحرسكِ كما ينبغي.
هذا ليس ضعفًا،
هذا خوفٌ شريف.
هذا قلبٌ يحاول ألا تنكسر مجاديفه في بحرٍ لا يرحم.
قوتك لا تعني قبول الإهانة
لكن اسمعيني يا قوية القلب..
قوتكِ لا تعني أن تُهاني.
وصبركِ لا يعني أن تُتركي بلا كرامة.
وتنازلكِ لأجل أولادكِ لا يعني أن تُحرقي نفسكِ كي يظل البيت مضاءً.
الأمومة ليست حكمًا بالسجن داخل الألم.
والبيت لا يكون بيتًا إذا تحوّل إلى مكانٍ تخافين فيه من صوت الباب،
ومن تغيّر المزاج،
ومن السؤال،
ومن طلب حقّكِ.
أنتِ لستِ جدارًا يتلقى الضربات.
أنتِ روح.
أنتِ امرأة.
أنتِ قلبٌ يحتاج أن يُصان،
وجسدٌ يحتاج أن يأمن،
ونفسٌ تحتاج أن ترتاح،
وأنوثةٌ تحتاج من يراها لا من يستهلكها.
يا قو قلبها..
حين تنقذ الجميع وتنسى نفسها.
حين تتأكد من طعامهم ولباسهم ودراستهم ومشاعرهم،
ولا أحد يسأل:
من يطمئن هذه المرأة؟
من يضع يده على كتفها ويقول:
كفاكِ حملًا،
أنا أحمل عنكِ قليلًا؟
من يقول لها:
أنتِ لستِ أمًا فقط،
أنتِ حبيبتي،
أنتِ أنثاي،
أنتِ روحي،
أنتِ التي تستحقين أن ترتاحي قبل أن تنهاري؟
يا قسوة العالم حين يجعل المرأة القوية تخجل من حاجتها للحنان.
كأنها إن طلبت الحب صارت ناقصة.
وكأنها إن أرادت الاحتواء صارت ضعيفة.
وكأنها إن بكت صارت قليلة صبر.
لا..
المرأة القوية تبكي.
والمرأة الناضجة تحتاج حضنًا.
والأم المتعبة تريد كلمة غزل.
والزوجة التي صبرت طويلًا تريد رجلًا يراها،
لا رجلًا يظن أن بقاءها تصريحٌ دائم بإهمالها.
أيتها الأنثى القوية بقلبها..
لا تعتذري عن حاجتكِ للحب.
لا تخجلي من طفلتكِ الداخلية.
لا تقولي: كبرتُ على الدلال.
المرأة لا تكبر على الحنان.
القلب لا يتقاعد من الشوق.
والأنوثة لا تُلغى لأنكِ أنجبتِ،
ولا تموت لأنكِ حملتِ مسؤولياتٍ أكبر من كتفيكِ.
أنتِ لا تزالين تستحقين وردة،
ورسالة،
ونظرةً طويلة،
وكلمةً تضيء وجهكِ،
وحضنًا يعيدكِ إلى نفسكِ،
ورجلًا حين يغضب يتذكر أن أمامه قلبًا لا خصمًا،
وحين يختلف يتذكر أن الهدم سهل،
لكن ترميم امرأةٍ انكسرت صعبٌ جدًا.
رسائل إلى قلبها وقوتها ودمعتها وطفلتها
رسالةٌ إلى قلبكِ..
يا قلبها الجميل،
يا من تحملتَ ما لا يجب أن يتحمله قلب،
لا تظن أن صمتك ضياع.
الله يعرف ما كتمتِ.
الله يعرف كل ليلةٍ نمتِ فيها بجانب وجعكِ،
وكل صباحٍ نهضتِ فيه رغم أنكِ لم تنامي حقًا.
الله يعرف كم مرة اخترتِ الأسرة على نفسكِ،
وكم مرة خفتِ على أطفالكِ من التشتت،
وكم مرة كسرتِ رغبتكِ في الرحيل
كي لا ينكسروا هم.
رسالةٌ إلى قوتكِ..
أنتِ قوية،
لكن لا تجعلي قوتكِ مقبرةً لمشاعركِ.
القوة ليست أن تصمتي دائمًا.
القوة أن تعرفي متى تتكلمين،
ومتى تحمين نفسكِ،
ومتى تقولين:
هذا يؤذيني.
وهذا لا أقبله.
وهذا ليس حبًا.
وهذا ليس بيتًا إن لم يكن فيه أمان.
القوة ليست أن تبقي تحت النار،
القوة أن تعرفي أن لكِ حقًا في النجاة.
رسالةٌ إلى دمعتكِ..
لا تخجلي منها.
الدمعة التي تسقط من امرأةٍ صبرت طويلًا
ليست علامة هزيمة،
بل آخر لغةٍ يستخدمها القلب
حين يملّ من التماسك.
دعيها تسقط إن احتجتِ.
ليس كل بكاءٍ ضعفًا.
بعض البكاء يغسل الروح من غبار الكتمان.
وبعض الدموع تقول:
أنا ما زلتُ حية،
ما زلتُ أشعر،
ما زلتُ أريد أن أُحب بطريقةٍ لا تؤذيني.
رسالةٌ إلى طفلتكِ الصغيرة..
اخرجي قليلًا.
لا تختبئي خلف صورة المرأة الصلبة.
أنتِ تستحقين أن يُربّت عليكِ أحد.
أن يضحككِ أحد.
أن يسمع خوفكِ دون أن يسخر.
أن يقول لكِ:
أعرف أنكِ تعبتِ.
تعالي هنا،
اتركي العالم قليلًا،
ليس مطلوبًا منكِ أن تكوني قوية كل الوقت.
رسالة إلى الرجل الذي في حياتها
رسالةٌ إلى الرجل الذي في حياتها..
إن كانت لا تزال تصبر عليك،
فلا تغترّ.
الصبر ليس ضمانًا أبديًا.
والمرأة حين تصبر طويلًا
قد لا ترحل بجسدها أولًا،
بل ترحل بقلبها،
وحين يرحل قلب المرأة
تستطيع أن تبقى أمامك،
تطبخ،
وتتحدث،
وتبتسم،
لكنها لا تعود لك كما كانت.
انتبه قبل أن تخسرها وهي ما زالت في بيتك.
انتبه قبل أن يصبح حضورها عادةً بلا روح.
انتبه قبل أن تكتشف أن المرأة التي كانت تفتح لك قلبها،
صارت تغلقه عليك بهدوءٍ لا يُسمع.
سلام على قلبها الذي لم ينطفئ
يا قو قلبها..
ويا رقة قلبها..
ويا حزن قلبها حين يختبئ خلف واجبات النهار.
أنتِ عظيمة،
لكن عظمتكِ لا تعني أن تُتركي بلا حب.
أنتِ صبورة،
لكن صبركِ لا يعني أن تُعاملي بلا رحمة.
أنتِ أم،
لكن أمومتكِ لا تلغي أنكِ امرأة تحتاج أن تُعشق،
وتُحترم،
وتُصان،
وتُسمع،
وتُرى.
يا أيتها الأنثى التي تحمل بيتًا في صدرها،
وتخفي بحرًا في عينيها،
وتقاوم ألف انهيارٍ كي يبقى الأطفال واقفين..
سلامٌ على قلبكِ حين يتعب ولا يقول.
سلامٌ على صمتكِ حين يحمي ولا يفضح.
سلامٌ على أنوثتكِ حين تنجرح ولا تنطفئ.
سلامٌ على تلك الطفلة في داخلكِ،
التي ما زالت تنتظر حضنًا صادقًا،
وكلمةً حنونة،
ورجلًا يعرف أن المرأة لا تُكسر لتثبت حبها،
بل تُحتوى لتزهر.
يا قو قلبها..
ليت العالم يعرف
أن وراء كل امرأةٍ صابرة
حكايةً لا تصلح للحديث العابر،
وأن وراء كل أمٍّ متماسكة
لياليَ من البكاء المؤجل،
وأن وراء كل ابتسامةٍ هادئة
معركةً نجت منها وحدها.
ليت الرجل الذي يؤذيها يفهم
أن المرأة لا تريد المستحيل.
تريد احترامًا.
تريد أمانًا.
تريد أن تنام دون خوف.
تريد أن تسأل دون أن تُهان.
تريد أن تمرض دون أن تشعر أنها عبء.
تريد أن تكبر في العمر وهي ما زالت مرغوبة.
تريد رجلًا حين يراها متعبة
لا يزيدها كسرًا،
بل يقول لها:
أنا هنا..
وكان يجب أن أكون هنا منذ البداية.
مساحة التعليق
اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.
0 تعليق هنا