علّمتها أن تكون امرأة: نص أدبي عن الحب والاحتواء والكرامة

علّمتها أن تكون امرأة: نص أدبي عن الحب والاحتواء والكرامة
علّمتها أن تكون امرأة… حين يصبح الحب وطنًا

نص أدبي طويل عن الحب والطمأنينة والشوق والاحتواء، وعن امرأة تعلّمت أن قلبها لا يستحق اهتمامًا ناقصًا ولا حبًا باردًا.

يمتد النص من وهج العشق إلى دروس الغياب والألم، ثم يعود إلى الكرامة والتقدير والفرح الذي يجعل المرأة أكثر قربًا من ذاتها.

النص رؤية أدبية رمزية عن أثر الحب والاحتواء، ولا يعني أن اكتمال المرأة أو قيمتها يتوقفان على وجود رجل.

الحياة والحب الذي يخفف العمر

عَلَّمْتُهَا أَنَّ الحَيَاةَ لَيْسَتْ أَيَّامًا تَمُرُّ،

بَلْ قَلْبٌ يَجِدُ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ حِينَ يَتْعَب،

وَرُوحٌ تَجِدُ مَنْ يَقُولُ لَهَا:

لَا تَخَافِي… أَنَا هُنَا.

فَفَهِمَتْ أَنَّ الحَيَاةَ لا تُعَاشُ بِالعُمْرِ،

بَلْ بِمَنْ يَجْعَلُ العُمْرَ أَخَفَّ عَلَى القَلْب.

وعَلَّمْتُهَا الحُبَّ…

لَا كَلِمَةً تُقَالُ عِنْدَ الفَرَاغ،

وَلَا وَعْدًا يُرْمَى عَلَى طَاوِلَةِ اللَّيْل،

بَلْ دِفْئًا يَدْخُلُ إِلَى الصَّدْرِ فَيُرَتِّبُ فَوْضَاهُ.

فَأَحَبَّتْنِي…

وَصَارَتْ تَكْرَهُ أَنْ تَعُودَ إِلَى أَيَّامٍ لَا يُنَادِيهَا فِيهَا الحُبُّ بِاسْمِهَا.

العشق والهيام والغرام

وعَلَّمْتُهَا العِشْقَ…

أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَجْنِحَةٍ كَيْ يَرْفَعَنَا،

يَكْفِي أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى نَبْضِنَا،

فَنَشْعُرَ أَنَّنَا صِرْنَا أَخَفَّ مِنَ الغِيَاب،

وَأَقْرَبَ مِنَ السَّمَاءِ.

فَعَشِقَتْنِي…

وَصَارَتْ تَرَى أَنَّ العَالَمَ كُلَّهُ قَبْلِي كَانَ تَمْهِيدًا لِوُصُولِي.

وعَلَّمْتُهَا الهُيَامَ…

أَنْ تَشْتَاقَ لِلصَّوْتِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّم،

وَلِلرَّسَالَةِ قَبْلَ أَنْ تُكْتَب،

وَلِلخُطْوَةِ قَبْلَ أَنْ تَقْتَرِب.

فَهَامَتْ بِي…

وَصَارَتْ إِذَا مَرَّ اسْمِي فِي خَاطِرِهَا،

تَغَيَّرَ مَزَاجُ اليَوْمِ كُلِّهِ.

وعَلَّمْتُهَا الغَرَامَ…

أَنَّهُ لَيْسَ أَنْ تَفْقِدَ المَرْأَةُ عَقْلَهَا،

بَلْ أَنْ تَجِدَ قَلْبَهَا أَخِيرًا.

أَنْ تَسْكُنَ فِي عَيْنَيْ رَجُلٍ،

فَتَشْعُرَ أَنَّ المَرَايَا كُلَّهَا صَارَتْ أَصْدَقَ.

فَغَرِمَتْ…

وَصَارَتْ تَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ الرِّجَالِ لَا يُحَبُّونَ فَقَط،

بَلْ يُصْبِحُونَ مَوْطِنًا.

جنون القلب ولذة الطمأنينة

عَلَّمْتُهَا الجُنُونَ…

لَا جُنُونَ الضَّيَاع،

بَلْ جُنُونَ القَلْبِ حِينَ يَعْثُرُ عَلَى مَنْ يُشْبِهُهُ.

أَنْ تَضْحَكَ بِلَا سَبَب،

وَتَغَارَ مِنَ الدَّقَائِقِ الَّتِي تَسْرِقُنِي مِنْهَا،

وَتُخْفِي اسْمِي فِي دُعَائِهَا كَأَنَّهُ سِرٌّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله.

فَجُنَّتْ بِي…

وَصَارَ عَقْلُهَا أَهْدَأَ كُلَّمَا ازْدَادَ قَلْبُهَا جُنُونًا.

وعَلَّمْتُهَا اللَّذَّةَ…

لَا بِمَعْنَى الجَسَدِ الَّذِي يَفْنَى،

بَلْ بِمَعْنَى الرُّوحِ حِينَ تَجِدُ مَنْ يَفْهَمُهَا.

لَذَّةَ أَنْ تُسْمَعَ دُونَ أَنْ تَشْرَح،

وَأَنْ تُحَبَّ دُونَ أَنْ تَتَزَيَّن،

وَأَنْ تُقْبَلَ كَمَا هِيَ… بِكُلِّ فَوْضَاهَا وَجَمَالِهَا.

فَذَاقَتْ مَعِي لَذَّةَ الطُّمَأْنِينَة،

وَصَارَتْ تَرَى أَنَّ الأَمَانَ أَفْخَمُ مِنْ كُلِّ الزِّينَة.

الشوق والفقد والخوف من الغياب

وعَلَّمْتُهَا الشَّوْقَ…

أَنَّهُ لَيْسَ غِيَابَ شَخْصٍ فَقَط،

بَلْ حُضُورُهُ المُتَأَخِّرُ فِي كُلِّ شَيْء.

فِي فِنْجَانِ القَهْوَة،

فِي نَافِذَةِ المَسَاءِ،

فِي الأُغْنِيَةِ الَّتِي لَا تَقْصِدُهُ ثُمَّ تَفْضَحُه.

فَاشْتَاقَتْ…

وَصَارَتْ تَعْرِفُ أَنَّ الشَّوْقَ دَلِيلُ أَنَّ القَلْبَ لَمْ يَعُدْ وَحْدَه.

وعَلَّمْتُهَا الفَقْدَ…

لَا لِأُؤْذِيَهَا،

بَلْ لِتَعْرِفَ أَنَّ مَنْ نُحِبُّهُمْ بِصِدْقٍ

لَا يَغِيبُونَ كُلِّيًّا.

يَبْقَوْنَ فِي الأَمَاكِن،

وَفِي التَّفَاصِيل،

وَفِي القَلْبِ حِينَ يَتَظَاهَرُ بِالقُوَّة.

فَخَافَتْ فَقْدِي…

وَصَارَتْ تُحِبُّنِي كَمَنْ يَحْتَضِنُ نِعْمَةً يَخْشَى زَوَالَهَا.

الحنان والحضن والنسيان الجميل

وَعَلَّمْتُهَا الحَنَانَ…

أَنْ لَيْسَ كُلُّ يَدٍ تَلْمَسُ تُحْسِنُ الاحتِوَاء،

وَلَيْسَ كُلُّ قُرْبٍ يُدْفِئُ.

الحَنَانُ أَنْ أَعْرِفَ مَتَى تَتْعَبُ،

وَأَنْ أُصْغِي لِصَمْتِهَا قَبْلَ كَلَامِهَا،

وَأَنْ أُطَمْئِنَ الطِّفْلَةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي تَخْتَبِئُ فِي دَاخِلِهَا.

فَلَانَتْ لِي…

وَصَارَتْ تَسْتَرِيحُ فِي قُرْبِي كَأَنَّهَا عَادَتْ إِلَى بَيْتِهَا الأَوَّل.

عَلَّمْتُهَا الحُضْنَ…

أَنَّهُ لَيْسَ ذِرَاعَيْنِ فَقَط،

بَلْ مَكَانٌ آمِنٌ تَسْقُطُ فِيهِ الأَقْنِعَة.

الحُضْنُ أَنْ أَقُولَ لَهَا:

تَعَالَيْ بِكُلِّ مَا فِيكِ،

بِخَوْفِكِ، بِتَعَبِكِ، بِضِيقَتِكِ، بِدَمْعَتِكِ،

فَأَنَا لَا أُحِبُّ نِصْفَكِ الجَمِيلَ فَقَط،

أَنَا أُحِبُّكِ كَامِلَةً.

فَآمَنَتْ بِالحُضْنِ…

وَصَارَتْ تَكْرَهُ الأَمَاكِنَ الَّتِي تُجْبِرُهَا عَلَى التَّمَاسُكِ وَحْدَهَا.

وَعَلَّمْتُهَا النِّسْيَانَ…

أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالقَسْوَة،

وَلَا بِالإِنْكَار،

بَلْ بِأَنْ يَمْتَلِئَ القَلْبُ بِشَيْءٍ أَجْمَل.

فَحِينَ أَحَبَّتْنِي،

نَسِيَتْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً كَانَتْ تُوجِعُهَا،

لَا لأَنَّهَا ضَعُفَتْ ذَاكِرَتُهَا،

بَلْ لأَنَّ الحُبَّ الجَيِّدَ يُعِيدُ تَرْتِيبَ المَاضِي.

الإهمال والاهتمام والاحترام

وَعَلَّمْتُهَا الإِهْمَالَ…

لَا لِتَذُوقَهُ مِنِّي،

بَلْ لِتَعْرِفَ كَيْفَ يُمِيتُ القَلْبَ بِبُطْء.

قُلْتُ لَهَا:

المَرْأَةُ لَا تَذْبُلُ دُفْعَةً وَاحِدَة،

تَذْبُلُ عِنْدَمَا تَنْتَظِرُ سُؤَالًا لَا يَأْتِي،

وَرِسَالَةً تُؤَجَّل،

وَاهْتِمَامًا يُعَامَلُ كَالتَّرَف.

فَفَهِمَتْ…

وَصَارَتْ تَعْرِفُ أَنَّ مَنْ يُهْمِلُ قَلْبَهَا لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَسْكُنَه.

وَعَلَّمْتُهَا الاهْتِمَامَ…

أَنَّهُ لَيْسَ كَثْرَةَ كَلَام،

بَلْ دِقَّةُ شُعُور.

أَنْ أَسْأَلَ عَنْهَا فِي الوَقْتِ الَّذِي تَتَظَاهَرُ فِيهِ بِأَنَّهَا بِخَيْر،

وَأَنْ أَنْتَبِهَ لِتَغَيُّرِ صَوْتِهَا،

وَأَنْ أَعْرِفَ مِنْ نُقْطَةٍ فِي رِسَالَتِهَا

أَنَّ فِي قَلْبِهَا غَيْمَةً صَغِيرَة.

فَأَحَبَّتِ الاهْتِمَامَ…

وَصَارَتْ تَعْرِفُ أَنَّ الحُبَّ الَّذِي لَا يَنْتَبِهُ، لَا يُعَوَّلُ عَلَيْه.

عَلَّمْتُهَا الاحتِرَامَ…

أَنَّهُ أَنْ أُحِبَّهَا دُونَ أَنْ أُصَادِرَ حُرِّيَّتَهَا،

وَأَنْ أَغَارَ عَلَيْهَا دُونَ أَنْ أُهِينَهَا،

وَأَنْ أُخَالِفَهَا دُونَ أَنْ أَكْسِرَ خَاطِرَهَا.

فَاحْتَرَمَتْنِي…

لأَنَّهَا رَأَتْ فِي احْتِرَامِي لَهَا

دَلِيلًا أَنَّنِي رَجُلٌ لَا يُرِيدُهَا ضَعِيفَةً،

بَلْ يُرِيدُهَا عَزِيزَةً وَمُطْمَئِنَّة.

التقدير والإلهام واللهفة

وَعَلَّمْتُهَا التَّقْدِيسَ…

لَا تَقْدِيسًا يُخْرِجُ البَشَرَ عَنْ حَدِّهِم،

بَلْ تَقْدِيسَ القِيمَةِ الَّتِي يَضَعُهَا اللهُ فِي قَلْبِ الإِنْسَان.

أَنْ أَرَاهَا نِعْمَةً،

وَأَخَافَ أَنْ أَجْحَدَهَا،

وَأَنْ أَحْمَدَ اللهَ عَلَى قَلْبٍ اخْتَارَنِي.

فَتَعَلَّمَتْ أَنَّ الحُبَّ إِذَا لَمْ يُحْفَظْ بِالشُّكْر،

ضَاعَ بِالجُحُود.

وَعَلَّمْتُهَا التَّقْدِيرَ…

أَنَّهُ أَنْ أَرَى تَعَبَهَا حِينَ لَا يَرَاهُ أَحَد،

وَأَنْ أَشْكُرَ صَبْرَهَا،

وَأَنْ أَمْدَحَ لِينَهَا دُونَ أَنْ أَسْتَغِلَّه،

وَأَنْ أَقُولَ لَهَا:

أَنْتِ لَسْتِ عَادِيَّةً…

وَلَنْ أُعَامِلَكِ كَأَيِّ شَيْءٍ عَابِر.

فَأَزْهَرَتْ…

لأَنَّ المَرْأَةَ حِينَ تُقَدَّر، تَصِيرُ أَجْمَلَ مِنْ نَفْسِهَا.

وَعَلَّمْتُهَا الإِلْهَامَ…

أَنَّ بَعْضَ النِّسَاءِ لَا يُكْتَبْنَ فِي القَصَائِد،

بَلْ هُنَّ السَّبَبُ الَّذِي جَعَلَ القَصَائِدَ تُولَد.

كُلَّمَا رَأَيْتُهَا،

شَعَرْتُ أَنَّ اللُّغَةَ تَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أَكُونَ أَجْمَل،

وَأَنَّ الحَرْفَ يَنْحَنِي أَمَامَ أُنُوثَتِهَا بِأَدَب.

فَصَارَتْ مُلْهِمَتِي…

وَصِرْتُ أَخَافُ عَلَى الحَرْفِ أَنْ يَقِلَّ عَنْهَا.

عَلَّمْتُهَا اللهْفَةَ…

أَنْ يَسْبِقَ القَلْبُ الخُطْوَة،

وَأَنْ تُصْبِحَ الدَّقَائِقُ بَطِيئَةً حِينَ نَنْتَظِرُ مَنْ نُحِب.

فَصَارَتْ إِذَا عَرَفَتْ أَنِّي قَادِم،

تَرَتَّبَ فِي صَدْرِهَا ضَوْءٌ صَغِير،

وَإِذَا تَأَخَّرْتُ،

حَاسَبَتِ الوَقْتَ كَأَنَّهُ خَصْمٌ قَدِيم.

وَعَلَّمْتُهَا التَّنْهِيْدَةَ…

أَنَّهَا لُغَةُ القَلْبِ حِينَ يَعْجَزُ عَنْ شَرْحِ مَا فِيه.

تَتَنَهَّدُ لا لأَنَّهَا حَزِينَةٌ دَائِمًا،

بَلْ لأَنَّ فِي دَاخِلِهَا شُعُورًا كَبِيرًا

لَا تَحْمِلُهُ الجُمْلَةُ الصَّغِيرَة.

فَصَارَتْ تَتَنَهَّدُ بِاسْمِي…

وَكَأَنَّ اسْمِي بَابٌ يَفْتَحُ فِي صَدْرِهَا مَدِينَةً مِنَ الحَنِين.

الغياب والقهر والدمعة والحزن

وَعَلَّمْتُهَا الغِيَابَ…

أَنَّهُ أَقْسَى مُعَلِّمٍ،

لَكِنَّهُ أَصْدَقُهُمْ.

فَفِي الغِيَابِ نَعْرِفُ مَنْ نَفْتَقِدُهُ حَقًّا،

وَمَنْ كَانَ حُضُورُهُ مُجَرَّدَ عَادَة.

فَلَمَّا غِبْتُ عَنْهَا قَلِيلًا،

عَرَفَتْ أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ عَادَةً،

بَلْ كُنْتُ شَيْئًا يَخُصُّ الرُّوح.

وَعَلَّمْتُهَا القَهْرَ…

أَنْهُ حِينَ تُحِبُّ بِصِدْق،

وَلَا تَجِدُ مَنْ يُحْسِنُ فَهْمَ قَلْبِك.

قُلْتُ لَهَا:

لَا تَخَافِي مِنَ القَهْرِ إِذَا جَاء،

خَافِي أَنْ تَتَعَوَّدِي عَلَيْهِ.

فَتَعَلَّمَتْ أَنَّ القَلْبَ العَزِيزَ

لَا يَبْقَى طَوِيلًا فِي مَكَانٍ يَكْسِرُهُ كُلَّ يَوْم.

عَلَّمْتُهَا الدَّمْعَةَ…

أَنَّهَا لَيْسَتْ فَضِيحَةَ الضُّعْف،

بَلْ وَضُوءُ الرُّوحِ مِنْ غُبَارِ الأَيَّام.

فَبَكَتْ أَحْيَانًا،

لَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَخْجَلُ مِنْ دَمْعَتِهَا.

صَارَتْ تَعْرِفُ أَنَّ المَرْأَةَ الَّتِي تَبْكِي بِصِدْق،

لَا تَنْكَسِرُ دَائِمًا،

أَحْيَانًا تَغْسِلُ قَلْبَهَا لِيَعُودَ أَجْمَل.

وَعَلَّمْتُهَا الحُزْنَ…

أَنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ أَنْ نَبْنِي لَهُ بَيْتًا،

وَلَكِنْ يَحِقُّ لَنَا أَنْ نَسْتَضِيفَهُ لَيْلَةً

حَتَّى نَفْهَمَ مَا يُرِيد.

فَحَزِنَتْ،

ثُمَّ نَهَضَتْ،

لأَنَّهَا عَرَفَتْ أَنَّ الحُزْنَ إِذَا طَالَ

تَحَوَّلَ مِنْ زَائِرٍ إِلَى سَجَّان.

البكاء والألم والوجع الذي يصقل

وَعَلَّمْتُهَا البُكَاءَ…

أَنْهُ أَحْيَانًا الطَّرِيقُ الوَحِيدُ لِكَيْ لَا يَتَحَوَّلَ القَلْبُ إِلَى حَجَر.

فَبَكَتْ عَلَى مَا مَضَى،

ثُمَّ بَكَتْ مِنْ فَرَحِهَا بِي،

ثُمَّ فَهِمَتْ أَنَّ الدَّمْعَ لَا يَحْمِلُ مَعْنًى وَاحِدًا،

فَهُنَاكَ دَمْعَةٌ تُسْقِطُنَا،

وَدَمْعَةٌ تُعِيدُنَا إِلَى أَنْفُسِنَا.

وَعَلَّمْتُهَا الأَلَمَ…

أَنَّهُ لَيْسَ نِهَايَةَ الحِكَايَة،

بَلْ فَصْلٌ يُعَلِّمُنَا مَنْ نَحْنُ.

فَفِي الأَلَمِ نَعْرِفُ قُوَّتَنَا،

وَفِي الأَلَمِ نَعْرِفُ مَنْ يَبْقَى،

وَفِي الأَلَمِ نَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ القُلُوبِ

لَا تُكْسَر، بَلْ تُصْقَل.

فَصَارَتْ أَقْوَى…

لَا لأَنَّهَا لَمْ تَتَأَلَّم،

بَلْ لأَنَّهَا تَأَلَّمَتْ وَلَمْ تَتَشَوَّه.

عَلَّمْتُهَا الوَجَعَ…

أَنَّهُ حِينَ يُرَبِّي فِينَا الحِكْمَةَ

يَصِيرُ أَقَلَّ قَسْوَة.

قُلْتُ لَهَا:

لَا تَجْعَلِي الوَجَعَ يُخَرِّبُكِ،

اجْعَلِيهِ يُهَذِّبُكِ.

فَفَهِمَتْ…

وَصَارَ فِي نَبْرَتِهَا نُضْجٌ،

وَفِي عَيْنَيْهَا عُمْقٌ،

وَفِي صَمْتِهَا شَيْءٌ لَا يُفَسَّر.

الضيقة والوحدة والفرح والافتراق

وَعَلَّمْتُهَا الضِّيقَةَ…

أَنَّهَا لا تَدُومُ،

وَأَنَّ الصَّدْرَ إِذَا امْتَلَأَ بِاللهِ

وَجَدَ نَافِذَةً حَتَّى فِي أَضْيَقِ الأَيَّام.

فَصَارَتْ إِذَا ضَاقَتْ،

لَا تَهْرُبُ مِنْ نَفْسِهَا،

بَلْ تَعُودُ إِلَى رَبِّهَا،

وَإِلَى قَلْبِي،

وَإِلَى كَلِمَةٍ تَقُولُ لَهَا:

سَتَمُرُّ.

وَعَلَّمْتُهَا الوَحْدَةَ…

أَنَّهَا لَيْسَتْ دَائِمًا عُقُوبَة،

أَحْيَانًا تَكُونُ غُرْفَةً يُعِيدُ فِيهَا الإِنْسَانُ تَرْتِيبَ رُوحِه.

فَتَعَلَّمَتْ أَنْ تَجْلِسَ مَعَ نَفْسِهَا دُونَ خَوْف،

لَكِنَّهَا بَعْدَ أَنْ أَحَبَّتْنِي،

صَارَتْ تَعْرِفُ أَنَّ أَجْمَلَ الوَحْدَةِ

هِيَ الَّتِي تَنْتَهِي بِصَوْتِ مَنْ نُحِب.

عَلَّمْتُهَا الفَرَحَ…

أَنَّهُ لا يَحْتَاجُ إِلَى مُنَاسَبَةٍ كَبِيرَة،

قَدْ يَجِيءُ مِنْ رِسَالَة،

مِنْ ضَحْكَة،

مِنْ نَظْرَة،

مِنْ “طَمِّنِينِي عَلَيْكِ”.

فَفَرِحَتْ بِي…

وَصَارَتْ تَعْرِفُ أَنَّ الفَرَحَ الحَقِيقِيَّ

هُوَ أَنْ يَكُونَ لَكَ شَخْصٌ يَجْعَلُ بَسَاطَةَ اليَوْمِ عِيدًا.

وَعَلَّمْتُهَا السَّعَادَةَ…

أَنَّهَا لا تَعْنِي أَنْ لا نَتْعَب،

بَلْ أَنْ نَجِدَ مَنْ نَتْعَبُ وَنَحْنُ مُطْمَئِنُّونَ لِوُجُودِهِ.

فَصَارَتْ سَعَادَتُهَا لا تَتَعَلَّقُ بِالأَشْيَاءِ الكَثِيرَة،

بَلْ بِقُرْبٍ صَادِق،

وَبِقَلْبٍ يُحِبُّهَا بِلا مُسَاوَمَة،

وَبِرَجُلٍ يَجْعَلُهَا تَشْعُرُ أَنَّهَا كَافِيَة.

وَعَلَّمْتُهَا الضَّحِكَ…

أَنْهُ لَيْسَ خِفَّةً دَائِمًا،

أَحْيَانًا يَكُونُ نَجَاة.

فَضَحِكَتْ مَعِي كَطِفْلَةٍ تَعِبَتْ مِنَ الرَّصَانَة،

وَصَارَتْ تَتْرُكُ جِدِّيَّةَ العَالَمِ عِنْدَ البَاب،

ثُمَّ تَدْخُلُ إِلَيَّ بِقَلْبٍ يَعْرِفُ أَنَّ الحُبَّ لا بُدَّ أَنْ يَضْحَكَ أَحْيَانًا،

كَيْ لا يَشِيخ.

عَلَّمْتُهَا الافْتِرَاقَ…

أَنَّهُ أَمَرّ الدُّرُوسِ،

لَكِنَّهُ يُخْبِرُنَا مَنْ كَانَ وَطَنًا،

وَمَنْ كَانَ طَرِيقًا عَابِرًا.

فَصَارَتْ تَخَافُهُ،

لَا لأَنَّهَا ضَعِيفَة،

بَلْ لأَنَّهَا عَرَفَتْ بَعْدِي أَنَّ بَعْضَ الحُضُورِ

إِذَا غَادَرَ،

تَرَكَ فِي القَلْبِ غُرْفَةً لا يَدْخُلُهَا أَحَد.

الأنثى نعمة لا تُحب بالتجربة

وَعَلَّمْتُهَا أَنَّ الأُنْثَى لا تُحَبُّ بِالتَّجْرِبَة،

وَلَا تُقَاسُ بِالمُقَارَنَة،

وَلَا تُسْتَبْدَلُ حِينَ تَتْعَب.

الأُنْثَى إِذَا أَحَبَّتْكَ بِصِدْق،

فَهِيَ نِعْمَةٌ تُسْأَلُ عَنْهَا:

أَشَكَرْتَهَا بِالوَفَاءِ؟

أَمْ كَفَرْتَ بِهَا بِالإِهْمَال؟

وَعَلَّمْتُهَا أَنِّي لَمْ أَدْخُلْ حَيَاتَهَا لأَكُونَ رَقْمًا،

بَلْ لأَكُونَ فَصْلًا لَا يُمْحَى.

لأُعَلِّمَهَا أَنَّ الحُبَّ لَا يَذُلُّ،

وَأَنَّ العِشْقَ لَا يُهِين،

وَأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَحَبَّ بِصِدْق،

صَارَ لِلْمَرْأَةِ ظِلًّا حِينَ تَتْعَب،

وَسَنَدًا حِينَ تَمِيل،

وَوَطَنًا حِينَ تَغْتَرِبُ عَنْ نَفْسِهَا.

فَأَحَبَّتْنِي…

لأَنِّي لَمْ أُعَلِّمْهَا الحُبَّ كَدَرْسٍ،

بَلْ جَعَلْتُهَا تَعِيشُهُ كَوَطَن.

وَصَارَتْ بَعْدِي لا تَرْضَى بِحُبٍّ بَارِد،

وَلَا بِاهْتِمَامٍ نَاقِص،

وَلَا بِقَلْبٍ يُحِبُّهَا عَلَى مِزَاجِهِ.

لأَنَّ المَرْأَةَ الَّتِي تَتَعَلَّمُ الحُبَّ بِصِدْق،

لَا تَعُودُ تَقْبَلُ بِالنِّصْف.

امرأة لا تقبل بنصف حب

هٰكَذَا كُنْتُ لَهَا…

لَمْ أَكُنْ رَجُلًا فَقَط،

كُنْتُ مِرْآةً، وَمَدْرَسَةً، وَحُضْنًا، وَمَنْفَى، وَعَوْدَة.

عَلَّمْتُهَا كَيْفَ تُحِبُّ،

وَكَيْفَ تَخَافُ،

وَكَيْفَ تَشْتَاقُ،

وَكَيْفَ تَنْجُو،

وَكَيْفَ تَضْحَكُ بَعْدَ دَمْعَة،

وَكَيْفَ تَبْقَى أُنْثَى…

لا تُشْبِهُ أَحَدًا.

وَإِنْ سَأَلُوهَا يَوْمًا:

مَنْ عَلَّمَكِ كُلَّ هٰذَا؟

فَلْتَقُلْ بِهُدُوءٍ:

رَجُلٌ لَمْ يَأْتِ كَالعَابِرِينَ…

جَاءَ كَالحَيَاة،

عَلَّمَنِي أَنْ أُحِبَّ،

ثُمَّ عَلَّمَنِي أَنَّ الحُبَّ إِذَا كَانَ صَادِقًا

يَتْرُكُ فِي الأُنْثَى عُمْرًا لَا يَنْتَهِي.

المرأة التي تتعلم الحب بصدق لا تعود تقبل بالنصف، لأن قلبها عرف أن الحب وطن لا انتظار بارد. نص أدبي أصلي من كتابات تمتمة محمد، ويمكن مشاركة رابط المقال مع الحفاظ على اسم الكاتب والمصدر.
MBS
محمد بن سعيد الزهراني كاتب أدبي سعودي
قلب صغير منك قد يجعل هذا النص يصل إلى قلبٍ كان ينتظره.
ختم القراءة: #تمتمة_محمد — حرف يلامس القلب… وأثر لا يزول.

مساحة التعليق

اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.

0 / 300
0 تعليق هنا
تخضع التعليقات والردود للمراجعة قبل ظهورها؛ حفاظًا على جودة الحوار وسلامة القراء.
📖 تركت قلبك عند سطر سابق
حفظنا موضع قراءتك على هذا الجهاز لتكمل النص من حيث توقفت.
✨ أتممت البوح… شكرًا لقلب قرأ حتى النهاية