رسالة أدبية إلى المرأة التي أحبت بصدق، ثم وجدت نفسها بين جمال الشعور وخوف الخذلان وفقدان الطمأنينة.
النص يفرق بين حب يصون القلب ويجعله أخف، وحب يحوله إلى رماد، ويؤكد أن الصدق ليس ضعفًا وأن حفظ الكرامة جزء من المحبة.
حين يدخل الحب دون استئذان
لا تَسْأَلِي الدُّنْيَا
لِمَاذَا تَلُومُكِ إِذَا أَحْبَبْتِ…
فَالدُّنْيَا، يَا سَيِّدَتِي،
لَا تَغْفِرُ لِقَلْبٍ
أَنْ يَكُونَ صَادِقًا أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِم.
لَا تَقُولِي:
لَوْ كُنْتُ أَدْرِي…
فَالحُبُّ لا يَأْتِي وَفِي يَدِهِ نَشْرَةُ تَحْذِير،
وَلا يَقِفُ عِنْدَ البَابِ لِيَقُولَ:
سَأُرْبِكُ نَوْمَكِ،
وَأُشْعِلُ مَدِينَتَكِ،
وَأَجْعَلُكِ تَرَيْنَ الوَجْهَ نَفْسَهُ
فِي المِرْآةِ،
وَالقَهْوَةِ،
وَالنَّافِذَةِ،
وَصَوْتِ المَطَر.
الحُبُّ، حِينَ يَدْخُلُ،
لا يَطْلُبُ إِذْنًا مِنَ العَقْل،
وَلا يَسْتَشِيرُ الكِبْرِيَاء.
يَدْخُلُ كَطِفْلٍ فَوْضَوِيّ،
يَكْسِرُ زُجَاجَ الصَّمْت،
وَيَرْسُمُ عَلَى جُدْرَانِ الرُّوحِ
اسْمًا وَاحِدًا…
يا أيتها التي أحبت… لا تندمي
كَأَنَّ البَيْتَ بَيْتُه.
يَا أَيَّتُهَا الَّتِي أَحَبَّتْ
حَتَّى صَارَ الحُبُّ تُهْمَتَهَا الجَمِيلَة…
لا تَنْدَمِي.
فَبَعْضُ الحُبِّ
وَإِنْ أَوْجَعَنَا،
يَجْعَلُنَا أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّة.
وَبَعْضُ العِشْقِ
وَإِنْ أَتْعَبَ القَلْب،
يُعَلِّمُهُ أَنَّ النَّبْضَ
لَيْسَ مُجَرَّدَ حَيَاة،
بَلْ اعْتِرَاف.
فَإِنْ كَانَ هَذَا الحُبُّ نَارًا،
فَلْتَكُنْ نَارًا تُضِيءُكِ،
لا نَارًا تُطْفِئُكِ.
وَإِنْ كَانَ بَابًا كَثِيرَ الرِّيح،
فَلْتَقِفِي عِنْدَهُ بِقَلْبٍ شُجَاع،
فَبَعْضُ الأَبْوَابِ
لا تُفْتَحُ لِلسَّلَامَة،
بَلْ لِلمَعْرِفَة.
أَنْتِ لَمْ تَخْلُقِي الحُبَّ،
لَكِنَّكِ حِينَ أَحْبَبْتِ
جَعَلْتِهُ أَجْمَلَ.
وَلَمْ تَخْتَرِعِي الهَوَى،
حب يصون القلب ولا يتركه رمادًا
صَارَ الهَوَى أَقْرَبَ إِلَى الصَّلَاة .
فَلَا تَقْتُلِي مَا جَاءَكِ بَاكِيًا،
وَلا تَطْرُدِي مَا دَخَلَ قَلْبَكِ خَائِفًا؛
فَبَعْضُ الحُبِّ
إِنْ لَمْ نَحْتَضِنْهُ فِي الوَاقِع،
عَادَ إِلَيْنَا فِي الذِّكْرَى
أَكْثَرَ جُنُونًا.
أَحِبِّيهِ…
إِنْ كَانَ يُرْضِي اللهَ فِي حُبِّكِ،
وَيَصُونُ قَلْبَكِ،
وَيَجْعَلُكِ امْرَأَةً أَخَفَّ،
لا امْرَأَةً تَتَفَتَّتُ فِي الخَفَاءِ.
أَمَّا إِنْ كَانَ يَأْتِي
كَعُودِ كِبْرِيتٍ
ثُمَّ يَتْرُكُكِ رَمَادًا…
فَأَغْلِقِي البَابَ.
القلب الصادق ليس ضعيفًا
لَمْ يُخْلَقْ لِيَكُونَ حَطَبًا
فِي مَوَاقِدِ العَابِرِينَ.
لا تَجْعَلِي صِدْقَكِ سَاحَةً
يَتَدَرَّبُ عَلَيْهَا مَنْ لا يُحْسِنُ الوُقُوفَ أَمَامَ القُلُوب.
فَالقَلْبُ الصَّادِقُ، يَا سَيِّدَتِي،
لَيْسَ ضَعِيفًا حِينَ يُحِبّ،
وَلَيْسَ سَاذَجًا حِينَ يُصَدِّق،
وَلَيْسَ مَهْزُومًا حِينَ يَبْكِي.
هُوَ فَقَط
قَلْبٌ لَمْ يَتَعَلَّمْ أَنْ يَرْتَدِيَ القَسْوَةَ
كَمَا يَرْتَدِيهَا الآخَرُونَ
ثَوْبًا أَنِيقًا فَوْقَ خَرَابِهِم.
لا تَخْجَلِي مِنْ حُبٍّ
جَعَلَكِ أَكْثَرَ لِينًا،
وَلا مِنْ دَمْعَةٍ
نَزَلَتْ لِأَنَّكِ كُنْتِ أَصْدَقَ مِمَّا يَنْبَغِي.
أحبي… ولكن لا تلغي نفسك
فَبَعْضُ النِّسَاءِ
إِذَا أَحْبَبْنَ
صِرْنَ أَقْرَبَ إِلَى النُّور،
وَإِنْ تَعِبْنَ،
وَإِنْ خُذِلْنَ،
وَإِنْ مَرَّ الحُزْنُ عَلَى مَلَامِحِهِنَّ
كَغَيْمَةٍ ثَقِيلَة.
لا تَقُولِي:
لِمَاذَا أَنَا؟
فَاللهُ لا يَضَعُ فِي القَلْبِ الحَيِّ
إِلَّا مَا يَكْشِفُ مَعْدِنَه.
وَالحُبُّ أَحْيَانًا
لَيْسَ نِهَايَةَ الطَّرِيق،
بَلْ مِرْآةٌ كَبِيرَة
نَرَى فِيهَا مَنْ نَحْنُ،
وَمَا الَّذِي نَسْتَحِقُّه،
وَأَيُّ الأَبْوَابِ يَجِبُ أَنْ نَقْرَعَهَا،
وَأَيُّ الأَبْوَابِ يَجِبُ أَنْ نُغْلِقَهَا
دُونَ أَنْ نَلْتَفِت.
أَحِبِّي…
وَلَكِنْ لا تُلْغِي نَفْسَكِ.
أَعْطِي…
وَلَكِنْ لا تَمْنَحِي كُلَّ مَا فِيكِ
لِمَنْ يَمُرُّ عَلَيْكِ كَظِلٍّ،
ثُمَّ يَتْرُكُكِ تَبْحَثِينَ عَنْكِ
فِي أَمَاكِنَ لَمْ تَعُودِي تُشْبِهِينَهَا.
كُونِي حَنُونَةً
دُونَ أَنْ تَكُونِي مُسْتَبَاحَة.
الحب الحقيقي مكان آمن
كُونِي وَفِيَّةً
دُونَ أَنْ تَكُونِي أَسِيرَة.
كُونِي نَقِيَّةً
دُونَ أَنْ تَسْمَحِي لِمَنْ لا يَعْرِفُ النَّقَاء
أَنْ يُلَوِّثَ طُمَأْنِينَتَكِ.
لا تلومي قلبك لأنه أحب
فَالحُبُّ الحَقِيقِيُّ
لا يَجْعَلُكِ تَخَافِينَ مِنْ نَفْسِكِ،
وَلا يَجْعَلُكِ تَتَسَاءَلِينَ كُلَّ لَيْلَة:
هَلْ أَنَا كَافِيَة؟
الحُبُّ الحَقِيقِيُّ
يَضَعُ يَدَهُ عَلَى قَلَقِكِ
كَمَنْ يُطْفِئُ مِصْبَاحَ الرُّعْب،
وَيَقُولُ لَكِ:
اِهْدَئِي…
أَنَا لا أُحِبُّكِ لِأُتْعِبَكِ،
بَلْ لِأَكُونَ مَكَانًا آمِنًا
حِينَ تَتْعَبُ الأَمَاكِنُ كُلُّهَا.
لِذَلِكَ،
لا تَلُومِي قَلْبَكِ إِنْ أَحَبَّ،
وَلا تُعَاقِبِي رُوحَكِ إِنْ صَدَّقَتْ،
وَلا تَكْرَهِي ذَلِكَ الجُزْءَ مِنْكِ
الَّذِي كَانَ طَيِّبًا إِلَى حَدِّ الوَجَع.
فَمَا كَانَ طِيبُكِ خَطَأً،
وَلا كَانَ صِدْقُكِ عَيْبًا،
وَلا كَانَ حُبُّكِ هَزِيمَة.
الهَزِيمَةُ الحَقِيقِيَّةُ
أَنْ يَمُرَّ الحُبُّ عَلَى قَلْبِ الإِنْسَان
فَيَخْرُجَ مِنْهُ أَقْسَى،
أَمَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ أَنْقَى
رَغْمَ الوَجَع،
فَذَلِكَ انْتِصَارٌ لا يَفْهَمُهُ إِلَّا النُّبَلَاء.
أن تخرجي أنقى رغم الوجع
وَأَنْتِ،
حِينَ أَحْبَبْتِ،
لَمْ تَكُونِي ضَعِيفَة…
كُنْتِ امْرَأَةً
تَحْمِلُ قَلْبًا كَبِيرًا
فِي عَالَمٍ صَغِيرٍ جِدًّا
عَلَى أَنْ يَفْهَمَه.
مساحة التعليق
اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.
0 تعليق هنا