بوح إيماني عن الغصة المكتومة، والدمعة التي تتأخر، والقلب الذي يبتسم أمام الناس ثم يحمل وجعه إلى السجود.
الحزن هنا ليس نقيض الإيمان، بل بابًا للشكوى إلى الله، وصبرًا يتألم ثم يختار الرجاء والجبر.
حزن أعمق من كل لغة
يا قَلبي..
هُناكَ حُزنٌ
لا يَطلُبُ مِنكَ أن تَشرَحَه،
لأنَّهُ أعمَقُ
مِن كُلِّ لُغَة..
هُناكَ دَمعَةٌ
لا تَنزِلُ،
ولا تَجِفُّ،
ولا تَرحَل..
تَبقَى مُعلَّقَةً
بينَ الحَلقِ والرُّوح،
كَأنَّها تقولُ:
أنا لَستُ ماءً..
أنا عُمرٌ
تَحَوَّلَ إلى وَجَع.
يا قَلبي..
لَيسَ كُلُّ مَن صَمَتَ
كانَ بخَير،
ولا كُلُّ مَن ابتَسَمَ
نَجا مِن دَاخلِه..
بعضُ الأرواحِ
تَضحَكُ أمامَ الناس،
وفي داخِلِها
يَعقوبٌ آخر
يقولُ بصوتٍ مَكسور:
يا أسفى..
الدمعة التي لا تفهم الكبرياء
يا قَلبي..
أعرِفُ تلكَ الغُصّة،
تلكَ التي تأتي
فَجأةً،
بلا موعد،
بلا استئذان،
تَضَعُ يَدَها على حَلقِكَ،
وتقولُ لَكَ:
لا تَبكِ..
ثم تَكسِرُكَ
لأنَّكَ لا تَستطيعُ
إلّا أن تَبكِي.
أعرِفُها..
حِينَ تَمتَلِئُ عَينُكَ،
وتَرفَعُ رَأسَكَ
كَأنَّكَ تُساوِمُ الدَّمعَة:
انتَظِري قَليلًا..
لا تَفضَحيني الآن.
لكنَّ الدَّمعَة
لا تَفهمُ الكِبرياء،
ولا تَعرِفُ المَكان،
ولا تُراعي زِحامَ الناس..
إذا ضاقَ بها القلبُ
خَرَجَت،
وإذا لم تَخرُج
صارتْ غُصَّةً
تَخنُقُ الصَّدر
بِلا صَوت.
الحزن لا يسقطك من عين الله
يا قَلبي..
كانَ يعقوبُ عليه السلام
نبيًّا،
ومع ذلك
حَزِن..
وبَكَى..
واشتَدَّ به الوجع
حتى ابيضَّتْ عيناهُ
مِن الحُزن..
فلا تَخجَلْ
إذا تَعِبت،
ولا تَحتَقِرْ دَمعَتَكَ
إذا غَلَبَتْكَ،
ولا تَظُنَّ أنَّ الحُزنَ
يُسقِطُكَ مِن عينِ الله..
أحيانًا
يَكونُ الحُزنُ
أصدَقَ ما فينا،
وأحيانًا
تَكونُ الغُصّة
آخرَ بابٍ
يَدفَعُنا إلى السماء.
لا تكتم وجعك عن ربك
يا قَلبي..
كُنْ كَظِيمًا
إن اضطررت،
لكن لا تَكُنْ مَقطوعًا عن الله.
اكتمْ أمامَ الناس
ما لا يَفهمون،
لكن لا تَكتمْهُ عن ربِّكَ.
ابتَسِمْ أمامَ مَن لا يَرحمون،
لكن انكَسِرْ بينَ يَدَي
مَن يَعلَمُ
كيفَ يَجبرُكَ.
يا قَلبي..
إذا لم تَجدْ كتفًا
يَحمِلُ وَجعَكَ،
فَضَعْ جَبينَكَ
على الأرض،
فالسجودُ
أرحَمُ مِن أكتافٍ كثيرة.
وإذا اختَنَقَتْ فيكَ الدَّمعَة،
وقُلتَ:
لا أستطيع..
فَقُلْ بعدها:
يا رب.
فَـ “يا رب”
تَفتَحُ في الصَّدر
نافذةً صغيرة،
ولو كانَ الحزنُ
جِدارًا لا يُكسَر.
أوجاع لا تُحكى وسجدة طويلة
يا قَلبي..
هُناكَ أوجاعٌ
لا تُحكى،
لأنَّها إذا خَرَجَتْ
خَرَجَ معها الإنسانُ كاملًا..
وهُناكَ أسماءٌ
إذا مرَّتْ على الذاكرة
انطفأَتِ الغُرفة،
وسَكَتَتِ الأشياء،
وبَقِيَ داخِلُكَ
يُنادِي شيئًا
لا يَعود.
يا قَلبي..
ليستِ المصيبةُ
أن تَبكِي،
المصيبةُ أن تَبقَى
بعيدًا عن باب الله
وأنتَ مكسور.
ليستِ الفجيعةُ
أن تَسقطَ الدَّمعَة،
الفجيعةُ أن تَسقطَ مِن قلبِكَ
الثقةُ برحمةِ الله.
فامسَحْ دَمعَتَكَ
لا لأنَّها عَيب،
بل لأنَّ اللهَ
يَرى ما هو أعمَقُ منها.
وادفِنْ وَجهَكَ
في سجدةٍ طويلة،
وقُلْ:
يا رب..
هذه غُصَّتي،
وأنتَ أعلَمُ بها منّي.
دعاء القلب المغلوب
يا رب..
هذا الصَّدرُ ضاق،
وهذا القلبُ تَعِب،
وهذه الدَّمعَةُ
صارتْ أثقَلَ
مِن أن تَنزِل،
وأقسى
مِن أن تَبقَى.
يا رب..
أنا لا أُحسِنُ الشَّرح،
ولا أُتقِنُ ترتيبَ الوجع،
لكنِّي جئتُكَ
بِقَلبٍ مَغلوب،
وعينٍ مُرهَقَة،
وروحٍ
تَبحثُ عن جَبرِكَ.
يا رب..
إن كانَ في صدري
ما لا يَعلمُهُ الناس،
فأنتَ تعلمه.
وإن كانَ في حَلقي
بُكاءٌ لا يَخرُج،
فأنتَ تسمعه.
وإن كانَ في قلبي
شيءٌ ماتَ بصمت،
فأنتَ القادرُ
أن تُحييهِ بالنور.
إنما أشكو بثي وحزني إلى الله
يا قَلبي..
لا تَخفْ مِن الغُصّة،
فالغُصّةُ أحيانًا
رسالةٌ مِن داخِلِكَ
أنَّكَ تَحتاجُ إلى الله
أكثرَ مِن أيّ أحد.
لا تَهربْ مِن دَمعَتِكَ،
دعْها تَمرُّ
كغيمةٍ مُثقلة،
فبَعضُ المطر
لا يَسقطُ على الأرض،
بل يَسقطُ داخِلَنا
لِيُنظِّفَ ما عَلِقَ بالروح.
يا قَلبي..
قُلْ كما قالَ يعقوبُ بعدَها:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
هُنا السلام.
هُنا الباب.
هُنا المخرجُ
مِن كُلِّ اختناق.
لا تَشْكُ قلبَكَ
لِمَن يَزيدُهُ وَجعًا،
ولا تَفْتَحْ جُرحَكَ
أمامَ مَن يَعدُّ دَمعَتَكَ ضَعفًا.
اشكُ إلى الله..
فهو الذي يَعلمُ
أنَّكَ لَم تَتعبْ فجأة،
بل تَراكَمَتْ فيكَ الأشياءُ
واحدةً بعدَ أخرى،
حتى صارَتْ دَمعَةً
لا تَستطيعُ إمساكَها.
صبر يتألم ثم يختار الله
يا قَلبي..
اصبِرْ،
لا صبرَ الذي لا يَشعُر،
بل صبرَ الذي يَتألَّم
ثم يَختارُ الله.
اصبِرْ،
لا لأنَّ الوجعَ خفيف،
بل لأنَّ اللهَ أعظم.
اصبِرْ،
لا لأنَّ الدَّمعَةَ لا تُؤلم،
بل لأنَّ ربَّ الدَّمعَة
لا يَتركُ عبدَهُ
في منتصفِ الانكسار.
يا قَلبي..
سيأتي يومٌ
تتذكَّرُ فيه هذه الغُصّة،
فتَتعجَّبُ كيفَ نَجوت.
وسَتعلَمُ أنَّ اللهَ
كانَ يَجمعُكَ
وأنتَ تَظُنُّ
أنَّكَ تَتفتَّت.
سيأتي يومٌ
تَرى فيه جَبرًا
يُشبهُ الفجر،
لا يَسألُ الظُّلمةَ
كم طالَت،
بل يَدخُلُ عليها
فينهيها.
أنا كظيم وأنت العليم
يا قَلبي..
إن خَنَقَتْكَ الدَّمعَةُ الليلة،
فاترُكْها تَسقط.
فَقد يَكونُ سقوطُها
أولَ قيامِكَ.
وإن لم تَسقط،
فارفعْ بها نَظَرَكَ إلى السماء،
وقُلْ بصوتٍ مُتعب:
يا رب..
أنا كَظِيم،
وأنتَ العليم.
أنا مكسور،
وأنتَ الجابر.
أنا ضائعٌ في داخلي،
وأنتَ الهادي.
أنا لا أستطيع،
وأنتَ على كلِّ شيءٍ قدير.
ثم اهدأ..
فالغُصّةُ التي لا يَفهمُها أحد،
يفهمُها الله.
والدَّمعَةُ التي خَنَقَتْكَ
قبلَ أن تَنزِل،
رآها الله.
والحُزنُ الذي أكلَ مِن عَينِكَ
وصدرِكَ
وروحِكَ،
ليسَ غائبًا
عن ربٍّ
لا تَخفَى عليه
آهةٌ في الظلام.
مساحة التعليق
اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.
0 تعليق هنا