نص أدبي طويل عن رجل يحمل المسؤولية بصمت، ويخفي تعبه كي يمنح أهله ومن يحبهم شعورًا بالأمان.
يمتد النص من وجع الرجل ورحلته مع الرزق، إلى علاقته بوالديه وأخته وابنته والمرأة التي في حياته، ومعنى الوفاء والرفق والكرامة.
الرَّجُلُ الَّذِي لَا يَبْكِي
لِكَيْ لَا يَبْكِيَ مَنْ يُحِبُّهُم.
رِوَايَةٌ
عَنْ رَجُلٍ يَحْمِلُ العَالَمَ عَلَى كَتِفَيْهِ
وَيُخْفِي وَجَعَهُ فِي صَدْرِهِ
وَيَبْتَسِمُ كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُث.
ليس كل رجل صامت قاسيًا
لَيْسَ كُلُّ رَجُلٍ صَامِتٍ قَاسِيًا.
بَعْضُ الرِّجَالِ يَصْمُتُونَ لِأَنَّ أَوْجَاعَهُمْ لَا تَجِدُ كُرْسِيًّا تَجْلِسُ عَلَيْهِ.
يَصْمُتُونَ لِأَنَّهُمْ تَعَلَّمُوا مُنْذُ الصِّغَرِ أَنَّ الدَّمْعَةَ إِذَا نَزَلَتْ مِنْ عَيْنِ الرَّجُلِ، تَزَاحَمَتْ حَوْلَهَا الأَسْئِلَةُ، وَقَلَّ حَوْلَهَا الفَهْم.
الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ لَا يَدَّعِي أَنَّهُ بِلَا وَجَع.
هُوَ فَقَطْ يَعْرِفُ أَيْنَ يَضَعُ وَجَعَه.
لَا يَرْمِيهِ فِي وَجْهِ أُمِّهِ فَتَخَافُ عَلَيْهِ.
وَلَا يَضَعُهُ عَلَى كَتِفِ أَبِيهِ فَيَزِيدُ هَمَّه.
وَلَا يُحَمِّلُهُ لِأُنْثَى أَحَبَّتْهُ، ثُمَّ يُسَمِّيهِ صِدْقًا.
الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ يَحْمِلُهُ فِي صَدْرِهِ، وَيَمْضِي.
يَتَعَبُ، وَيَمْضِي.
يَنْكَسِرُ، وَيَمْضِي.
تَتَزَاحَمُ الدُّنْيَا عَلَى قَلْبِهِ كَالمَوْجِ، فَيَقِفُ كَالصَّخْرَةِ، لَا لِأَنَّهُ لَا يَتَأَلَّم، بَلْ لِأَنَّ وَرَاءَهُ قُلُوبًا إِذَا سَقَطَ… سَقَطَتْ مَعَه.
الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ لَا يَبْكِي أَمَامَ النَّاسِ كَيْ يَسْتَعْطِفَهُمْ.
لَكِنَّهُ قَدْ يَبْكِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله، حِينَ لَا يَرَاهُ إِلَّا مَنْ خَلَقَ قَلْبَه.
يَبْكِي فِي الظِّلِّ، ثُمَّ يَخْرُجُ لِمَنْ يُحِبُّهُمْ شَمْسًا.
كَانَ يَخْرُجُ مِنَ البَيْتِ وَفِي قَلْبِهِ حِكَايَةٌ لَا يَعْرِفُهَا أَحَد.
لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ عَنِ المَالِ لِأَنَّ المَالَ يَسْتَحِقُّ العِشْق.
بَلْ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ لُقْمَةٍ نَظِيفَة، عَنْ كَرَامَةٍ لَا تَمُدُّ يَدَهَا، عَنْ حَيَاةٍ لَا تَقُولُ لِأُمِّهِ: احْمِلِينِي، وَلَا تَقُولُ لِأَبِيهِ: أَنْقِذْنِي.
الرزق والمسؤولية والكرامة
كَانَ يَخَافُ أَنْ يَكُونَ ثِقْلًا عَلَى مَنْ أَحَبُّوهُ.
وَالرَّجُلُ إِذَا خَافَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِبْئًا، تَحَوَّلَ إِلَى جَيْشٍ صَامِت.
يَعْمَلُ وَهُوَ مُتْعَب.
يَبْتَسِمُ وَهُوَ مُنْهَك.
يُؤَجِّلُ رَاحَتَهُ، وَيَشْتَرِي رَاحَةَ غَيْرِهِ.
يَكْتُمُ جُوعَهُ أَحْيَانًا، لِكَيْ لَا يَجُوعَ مَنْ خَلْفَه.
يَتَظَاهَرُ بِالقُوَّة، لِأَنَّ الضُّعْفَ عِنْدَهُ لَيْسَ خِيَارًا، بَلْ تَرَفًا لَا يَمْلِكُ ثَمَنَه.
لَا أَحَدَ يَعْرِفُ كَمْ مَرَّةً عَادَ مِنْ مَشْوَارِ الرِّزْقِ وَرُوحُهُ تَسْحَبُ قَدَمَيْهَا.
كَمْ مَرَّةً كَانَ يَحْتَاجُ أَنْ يَنَامَ، فَأَيْقَظَتْهُ المَسْؤُولِيَّة.
كَمْ مَرَّةً أَغْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ البَابَ، وَقَالَ:
“تَعِبْتُ…”
ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ دَقِيقَةٍ، كَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
هَكَذَا هُوَ الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ:
لَا يَبِيعُ كَرَامَتَهُ لِيَشْتَرِي رَاحَتَه.
وَلَا يَتَّكِئُ عَلَى أُمِّهِ وَأَبِيهِ وَهُوَ قَادِرٌ أَنْ يَقِف.
أخوة أكبر من البيوت
يَعْلَمُ أَنَّ البِرَّ لَيْسَ كَلَامًا جَمِيلًا فَقَط، بَلْ أَنْ تَكْبُرَ حَتَّى تُخَفِّفَ عَنْهُمَا، لَا أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِمَا فَصْلًا جَدِيدًا مِنَ التَّعَب.
لَمْ يَكُنْ لِي إِخْوَةٌ أُسَمِّيهِمْ: أَخِي.
وَلَكِنَّ الحَيَاةَ عَلَّمَتْنِي أَنَّ مَنْ فَقَدَ نِعْمَةَ الأَخِ، قَدْ يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ أُخُوَّةً أَكْبَرَ مِنَ البُيُوت.
صِرْتُ أَرَى فِي كُلِّ رَجُلٍ صَادِقٍ أَخًا.
أُحَاوِلُ أَنْ أَكُونَ لَهُ سَنَدًا، لَا مُنَافِسًا.
ظَهْرًا، لَا سِكِّينًا.
بَابًا، لَا جِدَارًا.
لِأَنَّ الرَّجُلَ الحَقِيقِيَّ لَا يَقِيسُ الرُّجُولَةَ بِكَمْ يُسْقِطُ غَيْرَهُ، بَلْ بِكَمْ مَرَّةٍ يَرْفَعُ رَجُلًا كَادَ أَنْ يَسْقُط.
لَيْسَ مِنَ الرُّجُولَةِ أَنْ تَكْسِرَ رَجُلًا أَمَامَ النَّاس.
الرُّجُولَةُ أَنْ تَحْفَظَ وَجْهَهُ، وَتَسْتُرَ خَلَلَهُ، وَتَنْصَحَهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَه، وَإِذَا احْتَاجَكَ وَجَدَكَ.
الرُّجُولَةُ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ يَحْمِلُ مَعْرَكَةً لَا تَرَاهَا.
فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُضَمِّدَهُ، فَلَا تَزِدْهُ نَزِيفًا.
كُنْتُ أَقُولُ لِنَفْسِي:
لَعَلَّ اللهَ حَرَمَنِي مِنْ أَخٍ مِنْ دَمِي، لِيَفْتَحَ لِي أَبْوَابَ أُخُوَّةٍ فِي قُلُوبِ النَّاس.
وَلَعَلَّ الفَقْدَ، إِذَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ، يَتَحَوَّلُ إِلَى عَطَاء.
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ أَخًا فِي بَيْتِهِ، قَدْ يُصْبِحُ أَخًا لِكُلِّ مَنْ تَعِبَ مِنْ وَحْدَةِ الطَّرِيق.
الرجل سند لأخته لا سجانًا عليها
الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ إِذَا كَانَ لَهُ أُخْت، جَعَلَ لَهَا مِنْ رُوحِهِ سُورًا.
لَا يَخْنُقُهَا بِالسُّور، وَلَكِنْ يَحْمِيهَا.
لَا يُرَاقِبُهَا كَسَجَّان، وَلَكِنْ يَخَافُ عَلَيْهَا كَمَنْ يَعْرِفُ قَسْوَةَ العَالَم.
يُرِيدُهَا عَزِيزَة، مَرْفُوعَةَ الرَّأْس، لَا تَحْتَاجُ أَنْ تَسْتَعْطِفَ أَحَدًا، وَلَا أَنْ تَطْلُبَ الأَمَانَ مِنْ غَرِيب.
الأُخْتُ فِي قَلْبِ الرَّجُلِ الحَقِيقِيِّ لَيْسَتْ اسْمًا فِي شَجَرَةِ العَائِلَة.
هِيَ وَصِيَّة.
هِيَ أَمَانَة.
هِيَ الطِّفْلَةُ الَّتِي كَبِرَتْ، وَلَكِنَّ عَيْنَهُ مَا زَالَتْ تَرَاهَا صَغِيرَة.
إِذَا ضَحِكَتْ، شَعَرَ أَنَّ فِي البَيْتِ عِيدًا.
وَإِذَا حَزِنَتْ، تَحَوَّلَ قَلْبُهُ إِلَى حَارِسٍ لَا يَنَام.
وَلَيْسَ السَّنَدُ أَنْ تَرْفَعَ صَوْتَكَ عَلَيْهَا.
السَّنَدُ أَنْ تَجْعَلَهَا تَشْعُرُ أَنَّ لَهَا رَجُلًا إِذَا مَالَتِ الدُّنْيَا، لَمْ يَمِل.
رَجُلًا إِذَا ضَاقَتْ بِهَا الحَيَاة، قَالَ:
“تَعَالَيْ، هُنَا مَكَانُكِ، لَا تَخَافِي.”
الرُّجُولَةُ مَعَ الأُخْتِ لَيْسَتْ سَيْطَرَة.
الرُّجُولَةُ حَنَانٌ يَعْرِفُ مَتَى يَحْمِي، وَمَتَى يَتْرُكُ لَهَا أَجْنِحَتَهَا.
حين يصبح الأب وطنًا لابنته
وَأَمَّا ابْنَتُه…
فَهِيَ القِصَّةُ الَّتِي يُصْبِحُ عِنْدَهَا الرَّجُلُ أَكْثَرَ رِقَّةً مِنَ الوَرْد.
هِيَ الصَّغِيرَةُ الَّتِي إِذَا نَادَتْهُ: “يَا أَبِي”، تَسَاقَطَتْ مِنْ صَوْتِهِ كُلُّ قَسْوَةٍ ادَّخَرَهَا لِلحَيَاة.
الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ مَعَ ابْنَتِهِ لَا يَكُونُ مُجَرَّدَ أَب.
يَكُونُ وَطَنًا.
يَكُونُ ظِلًّا.
يَكُونُ أَوَّلَ رَجُلٍ تَتَعَلَّمُ مِنْهُ أَنَّ الحُبَّ لَا يُؤْذِي.
أَوَّلَ صَوْتٍ يُطَمْئِنُهَا.
أَوَّلَ كَفٍّ تَفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ اللَّمْسَةَ قَدْ تَكُونُ أَمَانًا، لَا خَوْفًا.
أَوَّلَ قَلْبٍ تَسْكُنُهُ دُونَ أَنْ تَدْفَعَ ثَمَنَ السُّكْنَى دَمْعًا.
الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ يَعْشَقُ ابْنَتَهُ بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُهَا لَا تَتَسَوَّلُ العَاطِفَةَ مِنْ غَرِيب.
يُشْبِعُ قَلْبَهَا حُبًّا، حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ، عَرَفَتْ أَنَّ الحُبَّ لَا يَأْتِي عَلَى هَيْئَةِ إِهَانَة.
يُعَلِّمُهَا أَنَّ مَنْ أَحَبَّهَا لَا يُطْفِئُهَا.
وَمَنْ أَرَادَهَا لَا يَكْسِرُ جَنَاحَهَا.
وَمَنْ قَالَ لَهَا “أُحِبُّكِ” ثُمَّ أَوْجَعَهَا، فَقَدْ كَذَبَ عَلَى الحُبِّ قَبْلَ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهَا.
يَضَعُهَا فِي عَيْنِهِ وَقَلْبِهِ.
لَا لِأَنَّهَا ضَعِيفَة، بَلْ لِأَنَّهَا غَالِيَة.
وَالفَرْقُ كَبِيرٌ بَيْنَ مَنْ يَحْمِي الأُنْثَى لِأَنَّهُ يَرَاهَا عَاجِزَة، وَبَيْنَ مَنْ يَحْمِيهَا لِأَنَّهُ يَرَاهَا جَوْهَرَة.
القوة أن تأمن الأنثى معك
الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ لَا يَرَى الأُنْثَى مَيْدَانًا لِإِثْبَاتِ قُوَّتِهِ.
يَرَاهَا رُوحًا تُؤْتَمَن.
وَالقُوَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ أَنْ تَخَافَكَ الأُنْثَى، بَلْ أَنْ تَأْمَنَ مَعَكَ.
أَنْ تَغْفُو بِجَانِبِكَ وَهِيَ مُطْمَئِنَّة.
أَنْ تَبُوحَ لَكَ دُونَ أَنْ تَخَافَ أَنْ تُحَوِّلَ بَوْحَهَا إِلَى سِلَاح.
أَنْ تَخْتَلِفَ مَعَكَ دُونَ أَنْ تَخَافَ مِنْ قَسْوَتِكَ.
أَنْ تَبْكِي أَمَامَكَ دُونَ أَنْ تَشْعُرَ بِالخِزْي.
الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ إِذَا أَحَبَّ أُنْثَى، لَمْ يَجْعَلْهَا تَنْدَمُ عَلَى رِقَّتِهَا.
لَا يَقُولُ لَهَا: أَنْتِ حَسَّاسَةٌ جِدًّا، كَأَنَّ الحَسَاسِيَّةَ عَيْب.
بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ قَلْبَهَا الرَّقِيقَ هُوَ أَجْمَلُ مَا فِيهَا، وَأَخْطَرُ مَا يَجِبُ أَنْ يُصَان.
يُعَامِلُهَا بِاللِّينِ، لَا بِالضَّعْف.
بِالرِّفْقِ، لَا بِالتَّنَازُلِ عَنْ رُجُولَتِهِ.
بِالعِشْرَةِ، لَا بِالمِنَّة.
بِالحَنَانِ، لَا بِالتَّمَثِيل.
لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الأُنْثَى الَّتِي تُحَبُّ بِأَمَان، تُزْهِرُ.
وَالأُنْثَى الَّتِي تُوجَعُ بِاسْمِ الحُبِّ، تَذْبُلُ وَهِيَ تَبْتَسِم.
لَيْسَتِ الرُّجُولَةُ أَنْ تَرْفَعَ صَوْتَكَ عَلَيْهَا.
الرُّجُولَةُ أَنْ تَقْدِرَ عَلَى الجَرْحِ، ثُمَّ تَخْتَارَ اللُّطْف.
أَنْ تَقْدِرَ عَلَى القَسْوَة، ثُمَّ تَخْتَارَ الرِّفْق.
أَنْ تَغْضَبَ، ثُمَّ تَتَذَكَّرَ أَنَّ أَمَامَكَ قَلْبًا، لَا خَصْمًا.
مَا أَكْثَرَ مَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَشْكُو.
الحمد لله وكبرياء لا يهين
لَكِنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ حَوْلَهُ، فَيَجِدُ أُمًّا تَحْتَاجُ أَنْ تَرَاهُ مُطْمَئِنًّا.
وَأَبًا يَتَمَنَّى أَنْ يَرَاهُ وَاقِفًا.
وَأُخْتًا تَنْتَظِرُ مِنْهُ كَلِمَةَ قُوَّة.
وَابْنَةً تَرَى فِي عَيْنَيْهِ سَمَاءَهَا.
وَأُنْثَى تُحِبُّهُ، تُرِيدُ أَنْ تَسْنُدَ رَأْسَهَا عَلَى قَلْبٍ لَا يَنْهَار.
فَيَبْتَلِعُ الشَّكْوَى.
وَيَضَعُ عَلَى وَجْهِهِ هُدُوءَ الرِّجَال.
وَيَقُولُ:
“الحَمْدُ لِله.”
وَمَا أَثْقَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ حِينَ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ رَجُلٍ مُتْعَب.
لَيْسَتْ جُمْلَةً عَابِرَة.
إِنَّهَا رَايَةٌ بَيْضَاءُ يَرْفَعُهَا أَمَامَ الله، لَا أَمَامَ النَّاس.
كَأَنَّهُ يَقُولُ:
يَا رَبّ، أَنَا تَعِبْتُ، وَلَكِنِّي رَاضٍ.
أَنَا انْكَسَرْتُ، وَلَكِنِّي لَمْ أَكْفُرْ بِالنِّعْمَة.
أَنَا ضِقْتُ، وَلَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ عِنْدَكَ السَّعَة.
أَنَا وَحْدِي، وَلَكِنَّكَ مَعِي.
الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَسْمَعَهُ الجَمِيع.
يَكْفِيهِ أَنْ يَسْمَعَهُ الله.
لِلرَّجُلِ الحَقِيقِيِّ كِبْرِيَاء.
لَكِنَّهُ كِبْرِيَاءٌ لَا يُهِين.
كِبْرِيَاءُ مَنْ يَعْرِفُ قِيمَتَهُ، لَا مَنْ يَحْتَقِرُ غَيْرَه.
كِبْرِيَاءُ مَنْ يَمْشِي مَرْفُوعَ الرَّأْس، لِأَنَّهُ لَمْ يَخُنْ، وَلَمْ يَظْلِمْ، وَلَمْ يَأْكُلْ حَقَّ أَحَد.
هُوَ لَا يَتَسَوَّلُ مَكَانَتَهُ فِي قَلْبِ أَحَد.
وَلَا يُزَاحِمُ عَلَى حُبٍّ لَا يُشْبِهُه.
وَلَا يَرْكُضُ خَلْفَ مَنْ أَدَارَ ظَهْرَهُ.
لَكِنَّهُ إِذَا أَحَبَّ، أَحَبَّ بِكُلِّ مَا يَلِيقُ بِالرِّجَالِ الأَوْفِيَاءِ:
بِالفِعْلِ قَبْلَ الكَلَام،
بِالسُّؤَالِ قَبْلَ الغِيَاب،
بِالحُضُورِ قَبْلَ الوَعْد،
بِالصِّدْقِ قَبْلَ الشِّعْر.
الوعد والأثر قبل الكلام
الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ لَا يَكْثُرُ وَعْدُه، لَكِنَّ وَعْدَهُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ، صَارَ دَيْنًا عَلَى رُوحِهِ.
لَا يَقُولُ لِلأُنْثَى: سَأَكُونُ لَكِ العَالَم.
ثُمَّ يَتْرُكُهَا تَبْحَثُ عَنْهُ فِي الزِّحَام.
بَلْ يَقُولُ قَلِيلًا، وَيَفْعَلُ كَثِيرًا.
فَالأُنْثَى لَا تُصَدِّقُ الرَّجُلَ مِنْ صَوْتِهِ فَقَط، بَلْ مِنْ أَثَرِهِ فِي قَلْبِهَا.
هَلْ أَرَاحَهَا؟
هَلْ أَمَّنَهَا؟
هَلْ أَكْرَمَهَا؟
هَلْ جَعَلَهَا أَكْثَرَ طُمَأْنِينَةً أَمْ أَكْثَرَ خَوْفًا؟
هُنَا يُعْرَفُ الرَّجُل.
لَا فِي صُورَتِهِ.
وَلَا فِي صَوْتِهِ.
وَلَا فِي كَلَامِهِ الكَثِير.
بَلْ فِي الأَثَرِ الَّذِي يَتْرُكُهُ فِي مَنْ أَحَبُّوه.
حِينَ يَتْعَبُ الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ، لَا يَصْرُخُ كَثِيرًا.
يَصِيرُ أَهْدَأ.
هدوء الرجل حين يمتلئ بالتعب
وَهَذَا مَا لَا يَفْهَمُهُ كَثِيرُون.
هُدُوءُ الرَّجُلِ أَحْيَانًا لَيْسَ بُرُودًا.
إِنَّهُ امْتِلَاء.
امْتِلَاءٌ بِمَا لَا يُقَال.
امْتِلَاءٌ بِالحِسَابَاتِ، وَالدُّيُونِ، وَالمَسْؤُولِيَّاتِ، وَالخَوْفِ مِنَ الغَدِ، وَالوُجُوهِ الَّتِي يَخَافُ أَنْ يَخْذُلَهَا.
قَدْ يَجْلِسُ وَحْدَهُ فِي آخِرِ اللَّيْل،
لَا يُرِيدُ شَيْئًا.
لَا كَلَامًا.
لَا نَصِيحَةً.
لَا مُحَاضَرَةً فِي الصَّبْر.
يُرِيدُ فَقَطْ أَنْ يَتَنَفَّسَ دُونَ أَنْ يَسْأَلَهُ أَحَد: مَا بِكَ؟
الرَّجُلُ أَحْيَانًا لَا يَحْتَاجُ مَنْ يَحُلُّ مَشَاكِلَه.
يَحْتَاجُ مَنْ يَفْهَمُ أَنَّهُ أَيْضًا إِنْسَان.
أَنَّ صَدْرَهُ لَيْسَ حَدِيدًا.
وَأَنَّ كَتِفَيْهِ، مَهْمَا بَدَوَا قَوِيَّيْن، يَتْعَبَان.
وَأَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يَسْنُدُ الجَمِيع، يَحْتَاجُ أَحْيَانًا مَنْ يَقُولُ لَهُ:
“أَنَا أَرَاكَ… وَأَعْرِفُ أَنَّكَ تَتْعَبُ.”
كَمْ مِنْ رَجُلٍ أَنْقَذَ بَيْتًا، وَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مَنْ أَنْقَذَ قَلْبَه.
كَمْ مِنْ رَجُلٍ كَانَ سَقْفًا لِغَيْرِهِ، وَمَطَرُ الحَيَاةِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ وَحْدَه.
كَمْ مِنْ رَجُلٍ أَضَاءَ لِغَيْرِهِ الطَّرِيق، وَعَادَ هُوَ إِلَى عَتْمَتِهِ بِلَا مِصْبَاح.
أَجْمَلُ مَا فِي الرَّجُلِ الحَقِيقِيِّ أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ أَوْجَاعَهُ عُذْرًا لِيُؤْذِي.
لَا يَقُولُ: أَنَا تَعِبْتُ، فَلِي الحَقُّ أَنْ أَقْسُو.
لَا يَقُولُ: الحَيَاةُ جَرَحَتْنِي، فَسَأَجْرَحُ مَنْ يُحِبُّنِي.
لَا يَسْتَعْمِلُ مَاضِيَهُ سِكِّينًا فِي قَلْبِ مَنْ حَاضَرُهُمْ مَعَه.
الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ يَتَأَلَّمُ، ثُمَّ يَصِيرُ أَحَنَّ.
يُخْذَلُ، ثُمَّ يَصِيرُ أَوْفَى.
يُتْعَبُ، ثُمَّ يَصِيرُ أَرْحَمَ بِالمُتْعَبِينَ.
لِأَنَّهُ يَعْرِفُ مَعْنَى أَنْ تَكُونَ فِي الدَّاخِلِ مَكْسُورًا، وَفِي الخَارِجِ مُطَالَبًا أَنْ تَبْدُو كَامِلًا.
هَذَا هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ الرَّجُلِ الحَقِيقِيِّ وَالرَّجُلِ المُزَيَّف.
المُزَيَّفُ إِذَا تَأَلَّمَ، انْتَقَمَ مِنَ الأَضْعَفِ مِنْه.
وَالحَقِيقِيُّ إِذَا تَأَلَّمَ، حَمَى الأَضْعَفَ مِنْ أَنْ يَذُوقَ مَا ذَاق.
رسالة إلى من تحب رجلًا صامتًا
الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ قَدْ يَكُونُ جَبَلًا فِي مَوَاقِفِ الحَيَاة.
لَكِنَّهُ مَعَ مَنْ يُحِبُّ، يَصِيرُ غَيْمَة.
يَظِلُّهُمْ.
يَسْقِيهِمْ.
يَتَحَمَّلُ شَمْسَهُمْ.
وَإِذَا احْتَرَقَ، لَا يُخْبِرُهُمْ.
أَيَّتُهَا الأُنْثَى…
إِذَا وَجَدْتِ رَجُلًا يَتْعَبُ لِكَيْ لَا تَتْعَبِي، فَلَا تَسْتَهِينِي بِصَمْتِهِ.
وَإِذَا وَجَدْتِ رَجُلًا يَكْتُمُ أَلَمَهُ لِكَيْ لَا يُثْقِلَ عَلَيْكِ، فَلَا تَظُنِّي أَنَّهُ بِلَا قَلْب.
وَإِذَا وَجَدْتِ رَجُلًا يُحَاوِلُ أَنْ يَكُونَ سَنَدًا وَهُوَ نَفْسُهُ يَبْحَثُ عَنْ سَنَد، فَاعْرِفِي أَنَّكِ أَمَامَ رَجُلٍ نَادِر.
لَا تَطْلُبِي مِنَ الرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا كُلَّ يَوْم.
بَعْضُ الرِّجَالِ قَصَائِدُهُمْ فِي أَفْعَالِهِم.
فِي تَعَبِهِمْ.
فِي سُؤَالِهِمْ.
فِي حِرْصِهِمْ.
فِي تَأَخُّرِ رَاحَتِهِمْ حَتَّى تَرْتَاحِي.
فِي رَغِيفٍ يَجِيءُ مِنْ عَرَقِ الجَبِين.
فِي بَابٍ يُغْلَقُ عَلَيْكِ بِأَمَان.
فِي كَلِمَةِ: “لَا تَخَافِي”، حِينَ تَكُونُ صَادِقَة.
الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُحَبَّ كَطِفْلٍ مُدَلَّل.
لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُقَدَّر.
أَنْ يُفْهَمَ.
أَنْ لَا يُعَامَلَ كَجِدَارٍ لَا يَشْعُر.
أَنْ يَسْمَعَ أَحْيَانًا:
“أَنَا أَعْرِفُ أَنَّكَ تَتْعَبُ… وَأَنَا فَخُورَةٌ بِكَ.”
هذا هو الرجل الحقيقي
هَذِهِ الجُمْلَةُ قَدْ تَصْنَعُ فِي قَلْبِ الرَّجُلِ مَا لَا تَصْنَعُهُ كُلُّ هَدَايَا الدُّنْيَا.
لِأَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي ظَلَّ عُمْرَهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَكُونَ كَافِيًا لِغَيْرِهِ، يَحْتَاجُ مَرَّةً أَنْ يَشْعُرَ أَنَّ أَحَدًا رَآهُ، لَا رَأَى فَقَطْ مَا يُقَدِّمُه.
هَذَا هُوَ الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ.
لَيْسَ الَّذِي لَا يَتْعَب.
بَلِ الَّذِي يَتْعَبُ وَلَا يَهْرُب.
لَيْسَ الَّذِي لَا يَنْكَسِر.
بَلِ الَّذِي يَنْكَسِرُ ثُمَّ يَجْمَعُ نَفْسَهُ لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَنْتَظِرُ قِيَامَه.
لَيْسَ الَّذِي لَا يَخَاف.
بَلِ الَّذِي يَخَافُ، ثُمَّ يَمْضِي.
لَيْسَ الَّذِي لَا يَبْكِي أَبَدًا.
بَلِ الَّذِي يَحْفَظُ دَمْعَتَهُ مِنَ العُيُونِ، وَيَضَعُهَا فِي مَوْضِعٍ لَا يَرَاهُ إِلَّا الله.
هَذَا هُوَ الرَّجُلُ:
يَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّتَهُ كَمَنْ يَحْمِلُ أَمَانَةً لَا يَجُوزُ أَنْ تَسْقُط.
يَكِدُّ وَيَشْقَى، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الكَرَامَةَ لَا تُشْتَرَى بِالرَّاحَة.
يُحِبُّ أُمَّهُ وَأَبَاهُ بِأَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُمَا.
يُعَامِلُ النَّاسَ كَإِخْوَة، لِأَنَّ قَلْبَهُ عَرَفَ مَعْنَى فَقْدِ الأَخ.
يَكُونُ سَنَدًا لِأُخْتِهِ، وَأَمَانًا لِبَيْتِهِ، وَوَطَنًا لِابْنَتِهِ، وَرِفْقًا لِلأُنْثَى الَّتِي فِي حَيَاتِهِ.
هَذَا الرَّجُلُ لَا تَكْسِرُوهُ بِكَثْرَةِ المُطَالَبَة.
لَا تَظُنُّوا أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى كَلِمَة.
لَا تَحْسَبُوا أَنَّ صَمْتَهُ جُمُود.
فَفِي صَدْرِهِ مَدِينَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ التَّعَب،
وَفِي عَيْنَيْهِ طُرُقٌ طَوِيلَةٌ مِنَ السَّهَر،
وَفِي يَدَيْهِ أَثَرُ العُمْر،
وَفِي قَلْبِهِ طِفْلٌ صَغِيرٌ لَمْ يَجِدْ وَقْتًا كَافِيًا لِيَبْكِي.
وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُ وَاقِفًا، فَلَا تَظُنُّوا أَنَّهُ لَمْ يَسْقُط.
رُبَّمَا سَقَطَ أَلْفَ مَرَّةٍ فِي دَاخِلِهِ،
لَكِنَّهُ كَانَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَقُولُ لِنَفْسِهِ:
قُمْ…
فَأُمُّكَ تَنْتَظِرُ أَنْ تَرَاكَ بِخَيْر.
وَأَبُوكَ يَفْرَحُ إِذَا رَآكَ رَجُلًا.
وَأُخْتُكَ تَحْتَاجُ ظِلَّكَ.
وَابْنَتُكَ تَرَى فِيكَ العَالَم.
وَالأُنْثَى الَّتِي أَحَبَّتْكَ، تَحْتَاجُ مِنْكَ أَمَانًا لَا جُرْحًا.
وَالنَّاسُ الَّذِينَ عَامَلْتَهُمْ كَإِخْوَة، يَعْرِفُونَ أَنَّكَ لَسْتَ رَجُلًا عَابِرًا.
قُمْ…
فَالرِّجَالُ الحَقِيقِيُّونَ لَا يَنْتَظِرُونَ أَنْ تَرْحَمَهُمُ الدُّنْيَا.
هُمْ يَقُومُونَ، وَيَصْنَعُونَ مِنْ وَجَعِهِمْ طَرِيقًا.
وَمِنْ تَعَبِهِمْ بَيْتًا.
وَمِنْ صَبْرِهِمْ مَجْدًا.
وَمِنْ حُبِّهِمْ أَمَانًا.
وَفِي النِّهَايَة…
لَيْسَ الرَّجُلُ الحَقِيقِيُّ مَنْ يَقُولُ: أَنَا رَجُل.
بَلْ مَنْ تَشْهَدُ لَهُ مَوَاقِفُهُ حِينَ يَسْكُت.
وَمَنْ يَشْهَدُ لَهُ تَعَبُهُ حِينَ يَغِيب.
وَمَنْ تَشْهَدُ لَهُ أُمُّهُ بِالدُّعَاءِ.
وَأَبُوهُ بِالفَخْر.
وَأُخْتُهُ بِالأَمَان.
وَابْنَتُهُ بِالعِشْق.
وَالأُنْثَى الَّتِي فِي حَيَاتِهِ بِالطُّمَأْنِينَة.
هَذَا هُوَ الرَّجُل.
جَبَلٌ فِي وَجْهِ الحَيَاة.
غَيْمَةٌ فِي قَلْبِ مَنْ يُحِب.
سَيْفٌ عَلَى الوَجَع.
وَوَرْدَةٌ فِي يَدِ الأُنْثَى.
مساحة التعليق
اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.
0 تعليق هنا