فإن مع العسر يسرًا: بوح إيماني عن الضيق والفرج واليقين

فإن مع العسر يسرًا: بوح إيماني عن الضيق والفرج واليقين
فإن مع العسر يسرًا… العسر زائر واليسر وعد

بوح إيماني عن الضيق والانتظار والصبر، وعن قلب يتعلم أن الفرج قد يكون قريبًا حتى حين تبدو الأبواب مغلقة.

النص يذكّر بأن اليسر لا يكون دائمًا بتغيّر الظروف، فقد يبدأ بسكينة داخلية، وحسن ظن بالله، ودعاء يحمل القلب إلى الرجاء.

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
بوح وجداني مستلهم من معنى الآية، وليس تفسيرًا علميًّا لها.

العسر ممر وليس وطنًا

يا قلبي…
لا تُقِمْ في الضيق طويلًا،
فالعُسرُ ليس وطنًا،
إنما ممرٌّ ضيّق
يُربّيكَ فيه لطفُ الله،
ثم يفتحُ لك بابًا
كنتَ تظنّه جدارًا.

اهدأ…
فما ضاق عليك
إلا وفيه
موعدٌ خفيّ
مع الفرج.

يا قلبي…
لا تُصدّق العُسر
حين يلبسُ ثوب النهاية،
فكم من طريقٍ ظننته انقطع،
ثم مدّ الله في آخره نورًا
لا يشبه بدايته.

وكم من بابٍ بكيتَ عنده طويلًا،
ثم اكتشفتَ بعد حين
أن إغلاقه كان رحمة،
وأن يد الله
كانت تصرفك عن وجعٍ
كنتَ تظنه أمنية.

يا قلبي…
العسر لا يأتي ليقتلك،
بل ليكشف لك
كم كنتَ ضعيفًا دون الله،
وكم كنتَ قويًا حين اتكأتَ عليه.

لا تكره أيام الضيق كلها،
ففي بعضها
تعرفُ ربك أكثر،
وتعرفُ نفسك أكثر،
وتعرفُ أن الإنسان
لا يحتاج أن يملك الدنيا
حتى ينجو،
يكفيه أن يكون الله معه.

يا رب… أول أبواب الفرج

يا قلبي…
حين تضيق عليك الأرض،
لا تبحث عن منفذٍ بعيد،
ابدأ من داخلك.

قل:
يا رب…

فهذه الكلمة
ليست حرفين عابرين،
إنها باب.
إنها مفتاح.
إنها يدٌ تمتد من قلبٍ عاجز
إلى ربٍّ قادر.

قل:
يا رب…
ولو كان صوتك متعبًا،
ولو كانت روحك مكسورة،
ولو كنت لا تعرف
كيف تبدأ الدعاء.

الله يعلم ترتيب وجعك،
حتى لو لم تعرف أنت
كيف ترتّبه.

يا قلبي…
ليس اليسر دائمًا
أن يتغير كل شيء حولك،
أحيانًا يكون اليسر
أن يتغير شيء داخلك.

أن تهدأ
وأنت في قلب العاصفة.
أن تثبت
والأرض تحتك تميل.
أن تبتسم
لا لأن الوجع انتهى،
بل لأنك أدركت
أن الله لا يترك عبده
في منتصف الطريق.

يا قلبي…
العسر له صوتٌ عالٍ،
لذلك يخيفك.
أما اليسر
فيأتي غالبًا بهدوء،
كالفجر،
لا يصرخ،
لكنه يمحو الليل.

فلا تستعجل.
لا تحكم على حياتك
من لحظة ضيقة.
لا تقرأ عمرك كله
من صفحة حزينة.
لا تقل انتهيت
لأن فصلًا واحدًا
كان مؤلمًا.

قد يكون الله
يكتب بعده
أجمل ما لم تتخيل.

اليسر مع العسر لا بعيدًا عنه

يا قلبي…
إن تأخر الفرج،
فليس معناه أن الله نسيك.
وإن طال الطريق،
فليس معناه أنك ضائع.
وإن اشتد البلاء،
فليس معناه أنك مهزوم.

ربما كان التأخير
تربية.
وربما كان الانتظار
حماية.
وربما كان المنع
لطفًا.
وربما كان الكسر
تهيئةً لجبرٍ
لا يشبه كل الجبر.

يا قلبي…
لا تنظر إلى العسر وحده،
فالآية لم تقل:
إن بعد العسر يسرًا فقط،
بل قالت:
﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

معه…
لا بعيدًا عنه.
معه…
لا بعد أن ينتهي كل شيء.
معه…
في داخله،
في طياته،
في مكانٍ خفي
لا تراه عينك الآن.

ربما اليسر
مختبئ في صبرك.
وربما في دمعتك.
وربما في سجدةٍ طويلة.
وربما في دعاءٍ خرج منك
وأنت لا تملك إلا الانكسار.

يا قلبي…
أحيانًا يكون العسر
مثل غيمة ثقيلة،
تحجب الشمس عنك،
فتظن النور مات.

لكنه لم يمت.
إنه خلف الغيمة فقط.
ينتظر أمر الله
حتى يعود.

وكذلك فرجك…
ليس بعيدًا كما تظن،
لكنه خلف حكمةٍ
لم تفهمها بعد.

يا قلبي…
لا تجعل الضيق
يُسيء أدبك مع رحمة الله.

لا تقل:
لن أُجبر.
لا تقل:
لن أتجاوز.
لا تقل:
لن أفرح.
لا تقل:
انتهى كل شيء.

قل بدلًا من ذلك:
اللهم إن العسر ضاق،
وأنت أوسع من كل ضيق.
اللهم إن قلبي تعب،
وأنت أرحم به مني.
اللهم إن الطريق أظلم،
وأنت نور السماوات والأرض.

الفرج يأتي بالطريقة التي يختارها الله

يا قلبي…
قد لا يأتي الفرج
بالطريقة التي رسمتها،
لكنه سيأتي
بالطريقة التي اختارها الله.

وأقدار الله
حين تأتي،
تأتي أدقّ من رغباتنا،
وأرحم من استعجالنا،
وأوسع من خيالنا.

أنت تطلب بابًا واحدًا،
والله قد يفتح لك مدينة.
أنت تطلب نجاةً من ألم،
والله قد يجعل من ألمك
بداية حياةٍ جديدة.
أنت تطلب أن يزول الوجع،
والله قد يبدله
بسكينةٍ تجعلك تقول:
الحمد لله
أن الأمر كان كما أراد الله،
لا كما أردت أنا.

يا قلبي…
لا تخجل من ضعفك.
الضعف حين يأخذك إلى الله
ليس عيبًا،
بل نجاة.

لا تخجل من دمعتك.
الدمعة التي تسقط بين يدي الله
أشرف من ابتسامةٍ كاذبة
أمام الناس.

لا تخجل من قولك:
تعبت.
فالعبد إذا اعترف بعجزه،
اقترب من باب القوة.

يا قلبي…
حين يشتد العسر،
خفف حملك باليقين.

قل:
ما دام الله يعلم،
فأنا لست مجهولًا.

ما دام الله يرى،
فأنا لست متروكًا.

ما دام الله يقدر،
فليس هناك مستحيل.

ما دام الله رحيمًا،
فما زال في القصة
بابٌ للفرج.

يا قلبي…
لا تقيس لطف الله
بسرعة الإجابة.
ولا تقيس محبة الله
بغياب البلاء.
ولا تقيس الخير
بما تراه عيناك فقط.

فكم من خيرٍ جاء متأخرًا
حتى لا يجيء ناقصًا.
وكم من دعوةٍ تأخرت
لأن الله أراد لها
وقتًا أجمل.
وكم من أمنيةٍ لم تأتِ،
لأنها لو أتت
لكسرتك بطريقةٍ أخرى.

يا قلبي…
الله لا يمنعك بخلاً،
ولا يؤخرك نسيانًا،
ولا يبتليك عبثًا.

كل شيء عنده بقدر.
كل دمعة محسوبة.
كل صبر معلوم.
كل وجع مرئي.
كل تنهيدة مسموعة.

حتى صمتك،
حين تعجز عن الكلام،
يعلمه الله.

حسن الظن بالله وصبر الواثق

يا قلبي…
إذا ضاقت بك الحياة،
فلا تضق أنت بالله.

وسّع ظنك به.
أحسن الرجاء فيه.
قل لنفسك:
ربٌّ أخرج النور من الظلمات،
قادرٌ أن يخرجني
من هذا الضيق
إلى فرحٍ لم أتوقعه.

ربٌّ ردَّ يوسف إلى يعقوب
بعد سنوات الحزن،
قادرٌ أن يردّ إلى قلبي
ما ظننته غائبًا للأبد.

ربٌّ نجّى يونس من بطن الحوت،
قادرٌ أن ينجيني
من ظلمةٍ لا يعرفها أحد.

ربٌّ جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم،
قادرٌ أن يجعل ما يحرقني الآن
سببًا لسلامي غدًا.

يا قلبي…
لا تضع نهاية القصة
بيد حزنك.

الحزن لا يعرف الغيب.
والخوف لا يعرف رحمة الله.
والقلق لا يرى إلا نصف الطريق.

أما الله
فيرى الطريق كله،
أوله وآخره،
ظاهره وباطنه،
وما تخافه منه،
وما ينتظرك فيه من لطف.

يا قلبي…
اصبر قليلًا.
ليس صبر اليائس،
بل صبر الواثق.

اصبر وأنت تقول:
يا رب،
إن لم أفهم حكمتك،
فأنا أثق برحمتك.

اصبر وأنت تقول:
يا رب،
إن ضاق صدري،
فاشرحه بذكرك.

اصبر وأنت تقول:
يا رب،
إن ضعفت قدماي،
فاحملني بلطفك.

اصبر وأنت تقول:
يا رب،
إن غابت عني الأسباب،
فأنت رب الأسباب.

حين يظهر لطف الله بعد العسر

يا قلبي…
سيأتي يوم
تنظر فيه خلفك،
إلى ذلك العسر الذي أبكاك،
فتراه أصغر مما كان في عينك،
وترى لطف الله
كان أكبر مما كنت تظن.

ستقول يومها:
سبحان من دبّر.
سبحان من أخّر لحكمة.
سبحان من منع رحمة.
سبحان من ضيّق الطريق قليلًا
حتى لا أضيع في طريقٍ آخر.

يا قلبي…
لا تعاتب الأيام كثيرًا.
ولا تُكثر الوقوف
عند أبواب الألم.

خذ من العسر درسه،
ثم امضِ.

خذ منه قربك من الله.
خذ منه صبرك.
خذ منه نضجك.
خذ منه تلك الدمعة
التي علمتك الدعاء.
خذ منه قلبًا أرقّ،
وروحًا أصدق،
ونظرةً أعمق.

ثم اتركه خلفك.
فالضيق لا يستحق
أن يسكنك إلى الأبد.

يا قلبي…
إذا شعرت أنك لا تستطيع،
فتذكر أن الله يستطيع.
وإذا شعرت أن الطريق انتهى،
فتذكر أن الله يخلق الطريق.
وإذا شعرت أن كل شيء ضدك،
فتذكر أن أمر الله
إذا جاء
غيّر كل شيء.

مع خوفي ووجعي وانتظاري يسر

يا قلبي…
قلها كأنها ماءٌ بارد
على صدرٍ متعب:

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

مع خوفي…
يسر.

مع وجعي…
يسر.

مع انتظاري…
يسر.

مع دمعتي…
يسر.

مع خسارتي…
يسر.

مع وحدتي…
يسر.

مع ضعفي…
يسر.

مع دعائي الذي طال…
يسر.

مع الباب الذي أُغلق…
يسر.

مع الطريق الذي أتعبني…
يسر.

يا قلبي…
لا تكن قاسيًا على نفسك.
أنت تحاول،
والله يرى محاولتك.
أنت تصبر،
والله يعلم مقدار صبرك.
أنت تتماسك،
والله يعلم كم مرة كدت تنهار.
أنت تبتسم،
والله يعلم ما خلف ابتسامتك.

فاهدأ.
خفف عليك.
ليس مطلوبًا منك
أن تكون جبلًا طوال الوقت.
حتى الجبال
تخشع من خشية الله.

يا قلبي…
دع العسر يأخذ وقته،
لكن لا تعطه قلبك كله.

اترك مساحة للرجاء.
مساحة للدعاء.
مساحة للرضا.
مساحة تقول فيها:
لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.

ما تدري؟
ربما الفرج أقرب
من اللحظة التي ظننت فيها
أنك لن تنجو.

دعاء القلب في وقت الضيق

يا رب…
إن قلبي قرأ وعدك
فآمن،
لكن ضعفه يبكي.

يا رب…
أنت قلت:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
فاجعل لي مع عسري يسرًا،
ومع خوفي أمانًا،
ومع حزني فرحًا،
ومع ضيقي سعة،
ومع تعبي راحة،
ومع صبري جبرًا
لا يشبه جبر البشر.

يا رب…
لا تجعلني أقف طويلًا
عند باب الهم.
خذ بيدي إلى بابك.
ولا تجعلني أبحث عن السكينة
في وجوه الناس،
واجعل سكينتي في قربك.

يا رب…
إن كان هذا العسر امتحانًا،
فثبتني.
وإن كان تربيةً،
فأحسن عاقبتي.
وإن كان تطهيرًا،
فاغسلني به من ذنوبي.
وإن كان رفعًا،
فلا تحرمني أجر الصابرين.

يا رب…
اجعلني بعد هذا الضيق
أرقّ قلبًا،
وأصفى نية،
وأقوى يقينًا،
وأقرب إليك.

العسر زائر واليسر وعد

يا قلبي…
لا تنطفئ.

سيأتي اليسر.
ربما في خبر.
ربما في شخص.
ربما في رزق.
ربما في شفاء.
ربما في توبة.
ربما في سكينة
لا يراها أحد
لكنها تغيّر داخلك كله.

سيأتي اليسر
لأن الله وعد،
ووعد الله لا يخيب.

فنم الليلة
وأنت أخفّ قليلًا.
سلّم الأمر لله.
اترك ما لا تستطيع حمله
عند باب الكريم.

وقل قبل أن تغمض عينيك:

يا رب…
أنا لا أعرف كيف سيأتي الفرج،
لكنني أؤمن أنه سيأتي.
لا أعرف متى ينتهي العسر،
لكنني أؤمن أنك جعلت معه يسرًا.
لا أعرف كيف سيتغير الطريق،
لكنني أعرف أنك معي،
ومن كان الله معه
لم يكن وحيدًا.

يا قلبي…
اهدأ.

فالعسر زائر،
واليسر وعد.

والزائر يمضي،
أما وعد الله
فيبقى.

العسر زائر، واليسر وعد؛ والزائر يمضي، أما وعد الله فيبقى. نص إيماني وجداني من كتابات تمتمة محمد، ويمكن مشاركة رابط المقال مع الحفاظ على اسم الكاتب والمصدر.
MBS
محمد بن سعيد الزهراني كاتب أدبي سعودي
قلب صغير منك قد يجعل هذا النص يصل إلى قلبٍ كان ينتظره.
ختم القراءة: #تمتمة_محمد — حرف يلامس القلب… وأثر لا يزول.

مساحة التعليق

اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.

0 / 300
0 تعليق هنا
تخضع التعليقات والردود للمراجعة قبل ظهورها؛ حفاظًا على جودة الحوار وسلامة القراء.
📖 تركت قلبك عند سطر سابق
حفظنا موضع قراءتك على هذا الجهاز لتكمل النص من حيث توقفت.
✨ أتممت البوح… شكرًا لقلب قرأ حتى النهاية