بوح إيماني يطمئن القلب حين تثقل عليه ظنون الناس، ويذكّره بأن الطيبة ليست ادعاءً ولا ضعفًا، بل نقاء يحفظه الله ولو أساء الآخرون فهمه.
تتدرج هذه الخاطرة من ألم الاتهام إلى سكينة الدعاء، ومن مقاومة القسوة إلى الرجاء في المغفرة والستر والرزق الكريم.
﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾سورة النور — الآية 26
لا تخف من ظنون الناس
يا قَلبي..
لا تَخَفْ
إذا ظَنَّ بكَ الناسُ
ما ليسَ فيكَ.
فَلَيسَ كُلُّ صوتٍ
يُلوِّثُ الحقيقة،
ولا كُلُّ لسانٍ
إذا تكلَّم
صارَ شاهدًا.
هُناكَ قلوبٌ
يَحفَظُها اللهُ
مِن وحلِ الظنون،
ويَغسِلُها بالنور
حينَ تَكثُرُ حولها العَتَمَات.
الطيب ليس ادعاءً أمام الناس
يا قَلبي..
الطِّيبُ ليسَ ادّعاءً
نلبسُه أمامَ الناس،
ولا عطرًا نرشّهُ
على الكلمات.
الطِّيبُ
أن تَبقى نقيًّا
رغمَ ما رأيت،
حَليمًا
رغمَ ما سَمعت،
كريمًا
رغمَ ما فُعِلَ بك،
وخائفًا مِن الله
حينَ تستطيعُ أن تُؤذي
ثم تَمتنِع.
يكفي القلب أن الله يعلم
يا قَلبي..
إنَّ الأرواحَ الطيّبة
لا تَبحثُ عن ضجيجٍ
يُثبتُ نقاءها،
يكفيها أنَّ اللهَ يَعلم.
وإنَّ القلوبَ النقيّة
قد تُتَّهم،
وقد تُجرَح،
وقد يَعبُرُ فوقَها كلامٌ قاسٍ
كالحجر،
لكنَّها في ميزانِ الله
ليست كما قالوا،
بل كما علِمَ هو.
لا تشرح طهرك لمن أساء القراءة
يا قَلبي..
لا تُتعبْ نفسَكَ
في شرحِ طُهرِكَ
لِمَن اعتادَ أن يَقرأَ الناس
بعينِ سوئه.
بعضُ البشر
لا يَرى البياضَ
إلّا فراغًا،
ولا يَرى النقاءَ
إلّا ضعفًا،
ولا يَرى الطيبةَ
إلّا بابًا للاتهام.
فاتركْهم..
ليسَ كلُّ مَن تكلَّم
كانَ حَكَمًا،
وليسَ كلُّ مَن ظَنَّ
كانَ صادقًا،
وليسَ كلُّ مَن رماكَ
أصابَكَ.
فوق كلامهم رب يسمع ويعلم ويجبر
فوقَ كلامِهم
ربٌّ يسمع.
وفوقَ ظنونِهم
ربٌّ يعلم.
وفوقَ جراحِكَ
ربٌّ يجبر.
يا قَلبي..
الطيّبونَ للطيّبات
ليسَتْ فقط وعدًا يُريحُ العاطفة،
بل نورٌ يُربِّي النفس:
أن لا تُشبهَ الخبث،
ولو أحاطَ بك.
أن لا تَردَّ القبحَ بقبحٍ مثله.
أن لا تُطفئَ نورَكَ
لأنَّ أحدهم جاءَ بعتمته.
أن تَبقى كما يحبُّ الله
لا كما يستفزُّك الناس.
ابق طيبًا ولا تتعلم القسوة
يا قَلبي..
إذا رأيتَ قسوةً
فلا تَتعلّمها.
وإذا مررتَ بخذلانٍ
فلا تُورِّثه لغيرك.
وإذا كُسرتَ
فلا تَجعلْ كَسرَكَ
سِكّينًا في قلوبِ الأبرياء.
ابقَ طيّبًا..
لا لأنَّ الناسَ يستحقّون دائمًا،
بل لأنَّ قلبَكَ
لا يليقُ به الخُبث.
ابقَ طاهرَ اللسان،
نظيفَ النية،
واسعَ العذر،
قريبًا مِن الله،
بعيدًا عن مواطنِ السوء.
فإنَّ الطيب
لا يضيعُ عند الله،
ولو ضاعَ تقديرُه
في أعينِ الخلق.
حين تحاصر القلب التهم
يا قَلبي..
قد يأتي عليكَ يومٌ
تُحاصِرُكَ فيه التُّهم،
وتشعرُ أنَّ الكلمات
أثقلُ مِن الجبال،
وأنَّ الغصّة
أقربُ إلى حَلقِكَ
مِن صوتِكَ.
حينها..
لا تُحاولْ أن تُثبتَ نورَكَ
لِمَن لا يريدُ أن يراه.
فالشمسُ لا تَشرحُ نفسَها
لِمَن أغمضَ عينيه،
والنقاءُ لا يستجدي اعترافًا
مِن قلبٍ مريض.
دعاء القلب بالنقاء والسلامة
قُل فقط:
يا رب..
أنتَ تعلمُ ما في قلبي،
وتعلمُ ما لم أقله،
وتعلمُ أنَّني تعبتُ
مِن سوءِ الظن،
ومِن ثِقَلِ الكلام،
ومِن وجعِ أن أكونَ طيّبًا
في موضعٍ لا يرحمُ الطيبين.
يا رب..
طهّر قلبي
مِن أن يَخبُث،
ولساني
مِن أن يَجرح،
وظنّي
مِن أن يَسوء،
وروحي
مِن أن تُصبحَ نسخةً
مِمّن آذاني.
يا رب..
اجعلني مِن الطيّبين،
لا في كلامِ الناس،
بل في علمِكَ.
واجعلني مِن الذينَ
إذا مَرّوا بالوجع
خرجوا أنقى،
وإذا ذاقوا المرارة
ازدادوا رحمة،
وإذا خذلتهم الدنيا
لم يخونوا عهدَهم معكَ.
الله يعلم السريرة قبل شرحها
يا قَلبي..
لا تَحزن
إن لم تُفهمْ كما أنت.
يكفي أنَّ الله
يعلمُ سريرتَكَ
قبلَ أن تُحسنَ شرحَها،
ويَرى دمعَتَكَ
قبلَ أن تسقط،
ويَسمعُ انكسارَكَ
قبلَ أن يتحوّلَ إلى دعاء.
لهم مغفرة ورزق كريم
يا قَلبي.. انظُر بِعين البَصِيرة لآخرِ الآية:
﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾
كأنَّها طبطبةٌ سماوية
على قلبٍ أنهكته الاتهامات:
لا تخف..
هناكَ مغفرة.
هناكَ ستر.
هناكَ رزقٌ كريم.
هناكَ عوضٌ لا يشبهُ أذى الناس.
هناكَ بابٌ مِن الله
يُفتحُ حينَ تُغلقُ في وجهكَ
أبوابُ الخلق.
يا قَلبي..
الطيبةُ ليست ضعفًا،
إنها مقامٌ عزيز.
والنقاءُ ليس سذاجة،
إنه جهادٌ طويل
ضدَّ خبثِ العالم.
فاثبتْ..
لا تُبدّلْ نورَكَ
لأنَّ عابرًا لم يُحسنْ رؤيتَه.
ولا تُدنّسْ قلبَكَ
لأنَّ أحدهم رماكَ بما فيه.
كن طيّبًا..
لكن واعيًا.
رحيمًا..
لكن لا تُسلِّم قلبكَ لِمَن يُهينه.
نقيًّا..
لكن لا تُقيمْ في الأماكن
التي تُطفئ النقاء.
دعاء آخر الليل
وفي آخر الليل،
حينَ يهدأ كل شيء،
ضعْ يدكَ على صدرِكَ
وقل:
يا رب..
إن كنتُ عندكَ طيّبًا،
فلا يضرّني
مَن أساءَ بي الظن.
وإن كانَ في قلبي شيءٌ لا ترضاه،
فطهّرهُ بنورِكَ،
حتى ألقاكَ
بقلبٍ لا يحملُ إلا السلام.
ثم اهدأ..
فما كانَ طيّبًا
سيحفظهُ الله،
وما كانَ نقيًّا
سيُنبتُ له اللهُ
نورًا،
ولو بعدَ حين.
مساحة التعليق
اكتب ما شعرت به هنا؛ كلمة صادقة أحيانًا تكفي لتضيء آخر الصفحة، وسيصل تعليقك للمراجعة قبل ظهوره.
0 تعليق هنا